وباء كورونا: ولادة عالم جديد؟
بيار عقيقي

يتعامل العالم مع فيروس كورونا بطريقة موحّدة تقريباً، قد تكون مزيجاً من الوقاية الضرورية أو الخوف الزائد أو لأسباب سياسية، لكنها موحّدة، عبر سياسات العزل وإغلاق الحدود والمؤسسات العامة ووسائل النقل العامة والرحلات الجوية، وغيرها من الإجراءات التي تعزّز منطق “تفكيك العولمة الاجتماعية مؤقتاً”، أقلّه بسحب أدواتها المادية منها. ربما، لو حدث هذا الأمر في زمن ما قبل عصر الإنترنت والهواتف الخليوية، لتكرّرت حقبات الحروب الأوروبية الكبرى والحربين العالميتين. وهي حقباتٌ ساد فيها “الغموض” بشأن ما يجري خلف بلد ما أو مدينة ما، بفعل تكاثر الشائعات ونقص المعرفة، ما سمح لكثيرين بالتوجّه نحو الدين، خشية من المجهول. ومع أن بعضهم تطرّف في توجّهه، إلا أن السلطات المولجة بالتدابير الدينية في حينه نجحت في منع جناح التطرّف من السيطرة على جناح الاعتدال فيها. وهو ما سمح، مثلاً، بإعادة بناء سليمة بعد كل أزمة.
تغيّر العالم كثيراً. المتطرفون دينياً، شأنهم شأن المتطرفين قومياً، وجدوا في الإنترنت وسيلة لتسويق تطرّفهم وشعبويتهم، وبالتالي إقناع الناس الخائفين من فيروس كورونا، بأن هؤلاء، أي المتطرّفين دينياً، هم ملاذهم للتضرّع إلى الله. وعزّز ذلك وقوف السلطات الدينية جانباً، وكأنها راضيةٌ بما يجري من جنون للإمساك بالناس أو مستسلمة لجناح التطرّف الذي إذا انتصر سيقضي على كلّ اعتدال ديني.
بات شائعاً انتشار صورة لرمزٍ ديني، مركّبة أو مموّهة، للقول إن هذا الرمز حضر هنا أو هناك، وبعدها تتناقل أفواج من البشر هذه الصورة، وتتعامل معها على أنها “حقيقية”، و”من علامات الأزمنة”، وغيرها من عباراتٍ تربط بين مجريات الأحداث من كورونا وتدهور مالي ـ اقتصادي وتوترات سياسية، في كوكب الأرض، والأحاديث الدينية عن “نهاية العالم”. في الواقع، هذا الأمر مبالغة قصوى، خصوصاً أن الصين، في موضوع كورونا مثلاً، نجحت في معركتها ضده، وحصرت الفيروس، وتمكّنت من الخروج على قيد الحياة مع خسائر بشرية محدودة قياساً بحجم انتشار الوباء، ومع خسائر مادية يُمكن تعويضها لاحقاً، ما يعني أن تفشّي الوباء حالياً، في دول أخرى، يتطلّب وقايةً قصوى، للنجاة منه خلال شهرين أو ثلاثة، اعتماداً على التجربة الصينية.. ثمّ إن أسعار النفط المتهاوية وتقلبّات المؤشرات العالمية في البورصة أمر غير مستغرب في هذه الفترة، وعدم استقرارها يعني أن الاستثناء هو السائد حالياً، لأن الاستقرار هو الثابت دائماً.
يسمح ما يجري في عالمنا في تبيان حقيقة سلوكات الناس في الأزمات، ومقارنتها مع سلوكات سابقة في مراحل تاريخية سالفة، لأن الدروس التي يُمكن التعلّم منها كثيرة، تبدأ من ضرورة اعتماد الوعي عنصراً وحيداً متحكّماً في الطبيعة البشرية. صحيحٌ أن بعض الغرائز لا يمكن السيطرة عليه، لكنه يمكن كبحه إلى حدّ ما عبر إقناع أنفسنا بممارساتٍ محدّدة ومدروسة، لا الانغماس في الغرائز وكأنها حتمية، ولا بدّ منها.
بعد عامٍ، سيكون العالم في مسارِ ما بعد وباء كورونا، وستستمرّ المختبرات والعلماء في العمل لمكافحة أي فيروسٍ مماثل أو مشتق منه، وسيهدأ جنون النفط والبورصات، حينها يمكن لنا الانفراد بذاتنا والتفكير في تصرفاتنا خلال الأزمة الحالية، وكيفية مواجهتنا الوباء، وانعكاس ذلك على علاقاتنا الاجتماعية والمهنية. سنكتشف الكثير، وسنعمل على تحديد مكامن الأخطاء الفردية التي ستكون كثيرة، بطبيعة الحال، ومتراكمة، خصوصاً أن ارتكاب خطأ في لحظة سرعة يؤدّي إلى تسارع الأخطاء وتفاعلها في باقي اللحظات اللاحقة. الأسوأ هو تجاهل التعلّم، كما فعلت فئات بشرية عدة في التاريخ، التي دائماً ما تعلّل الأمر بالقول إن “التاريخ يعيد نفسه”، علماً أن عدم التعلّم من الأخطاء هو السبب الأساسي لـ”إعادة التاريخ نفسه”. فعلياً، وباء كورونا فرصة لبناء عالم جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى