وتستمر معارك القراءة البعدية لبيان  التأسيس!
بشير عمري

في سياق الردود التي خلفها التصريح الغريب العجيب لوزير الشباب والرياضة الجزائري في حملته الدعائية للتعديل الدستوري المقرر الاستفتاء عليه مطلع الشهر المقبل، حين طالب من اعترضوا على دسترة بيان أول نوفمبر 1954 المجمع حوله كإطار تأسيسي للدولة الجزائرية المستقلة، بالرحيل عن البلاد إذا لم يعجبهم الأمر، نشر الصحفي شوقي أمين سماتي على صفحته بالفيسبوك بيان أول نوفمبر مبرزا ما تضمنه من عناصر تضمن الحريات وتقوي مناعة الوطن تصورا وروحا ووجودا، بيد أن اللافت للانتباه هو ما جاء في الردود والعليقات على منشور البيان، حيث بدلا من أن تفحص من خلال مضمونه ما يدحض منطوق الوزير ويبطل ما انتواه وأضمره أو ما تصوره واطلقه في تصريحه، راحت تلك الردود والتعليقات تعيب على بيان عينه منقوصاته مثلما قدرته وتعيد توسيع مضمونه وفق لحظتها هي وليس لحظة الثوار أصحاب البيان.

وهذا ما يدفع إلى مساءلة بشأن الوعي الثوري في سلاسة تمدده وسلسلة أجياله، هل يمكن أن يتراكم داخل محتوى منطلقه الأول أم أنه قابل للنقض الكلي بمقتضى التجربة الجيلية وخصوصيات كل لحظة تاريخية للأجيال؟ وما الثابت في الوعي التأسيسي وما حدود المتغير؟

من طبيعة ووحي المصلحة أو الحاجة الظرفية للحاضر نصيغ رؤيتنا لمضاينا، فإما أن سيء له أو نسلم له، نقدسه أو ندنسه، وفق ذاتية وانتمائية لفكرة تحمل الحقيقة التي نعتنق، وهو ما يجعل الماضي ساحة لعراك عجز الحاضر عن أن يحفل به، من هنا تبرز أصوات إما أن تطالب بالتركيز على الحاضر ونسيان الماضي في خلل منهجي كبير يقفز على أثر البداية على النهاية، وإما يقبع البعض في نقد ونقض الماضي كمن يتلهى في معرفة أساسات البيت من تحت التراب على حساب معطى البناية بكاملها

لكن تظل أكبر خطيئة يمكن أن تقع فيها الرؤية للماضي هي الحلولية في الوعي، أي أن تعيب الأجيال المتأخرة على الأولين ما لم يقع في وعيهم مما شكله التاريخ في سياقه البعدي، بالقول لو أنهم فعلوا كذا أو تلافوا هذا، فبدلا أن تقاس عبقرية الأولين بحجم ما توفر لديها من تجربة وأدوات التاريخ في لحظته الزمنية تلك، تسلط عليهم قوة وقدرة لاحقة أكبر منه ومتغربة عن لحظته تلك !

الأجيال المتأخرة تشكلت لديها صورة نقدية لبيان أول نوفمبر عبر مصادر عدة، منها التجربة الوطنية المتحررة من الآخر التي لم تتوفر لجيل التأسيس، مستويات التعليم والدراية النظرية والعلمية بتجارب السياسة والأمم، والمتغييرات التي حصلت على صُعد عدة في الحالة الدولية وتطور مفاهيم السياسة وسياقاتها علوما وتطبيقا.

وعلى ضوء هكذا معطى في التناظر الحاصل في الوعي القبلي منه والبعدي، يتضح أنه (الوعي) قابل للتطور والانفتاح على مديات الزمن الثلاث الحاضر، الماضي والمستقبل، لهذا قال أحدهم مرة “التاريخ ندرسه ليس لمجرد الاستئناس بأحداث وحوادث ماضيه بل لتصحيح هذا الماضي” والتصحيح هنا لا يعني تخطيئ ما بطشه وعمله الأولون لأنه ليس محل تقييم أو تقدير في سياقه الطبيعي من طرف الوعي الجديد أي الحاضر، فمثلما أنه لا يمكننا توجيه المستقبل بوعي الحاضر لأنه لم يحدث فلا يمكننا توجيه الماضي لأنه حدث وحصل، غاية ما نستطيعه هو أننا نصحح انفسنا بالماضي الذي فينا ونشكل صورة للمستقبل الذي نحلم به.

فنفي العبقرية على جيل أول بمعيار الحاضر هو عين الخطأ الذي يمكن أن يصيب أمة ما بمقتل، والمشكل أن هذا هو حالنا وواقع اشكالنا مع الماضي، ننخرط فيه إما لنفرض أشياءه وأفكاره كلها أو لنرفضها كلها ومرجع ذلك ثقل الحاضر وأسئلته الكبرى المتراكمة والمؤجلة .

لماذا تراكمت أسئلة الحاضر ولماذا تأجلت، لأن المعرفة اختلطت بالسياسة (وصراعاتها للهيمنة وتحصيل الخيرات والمكتسبات الشخصية)  ما تسبب بالشلل للعقل الوطني فعجز عن الحفر والبحث عن المعنى المنسي أو المنفلت في صخر الماضي تماما كما عجز عن فهم الحاضر وبالتالي استحال التطلع للمستقبل، فلكي يعاد قراءة الماضي بمنطق السلاسة وسلاسة المنطق يجب تحرير المعرفة من سلطان المصالح والنزعات التي هيمنت عليها حسابات الساسة والحكام وتلاعبت فيها على حساب قدسية الحقيقة ومصير الأمة ككل.

فعندما تسمع في خطب القادة والساسة أن “الأولية للوطن” وليس للمواطن أي استمرار التضحية بالفرد من أجل الجماعة، وهو ما سيفتك فيما بعد بالفرد والجماعة للتلازم والتفاعل الرياضي، المنطقي عضويا بينمها – عندما تسمع ذلك – تستشعر حقا الانحباس الحاصل في فكر المنظومة خطابيا على الاقل في مسألة الوعي التاريخي بالوطن والوطنية، وتدرك خطورة هيمنة السياسة على المعرفة وانعكاس ذلك على تطور الوعي وسياقه الوطني على المديات الزمنية والتاريخية الثلاث ماض، حاضر ومستقبل، فالولاء للوطن الذي طُلب من الصحفي الالتزام به،  ليس يعني سوى أن تكون الأولوية “للوطنية” على حساب “المهنية” (هذا ما لم يلتزم به مثلا خالد درارني المسجون حاليا بتهمة الخيانة) تماما كما كان الصحفي أيام ثورة التحرير وهذا ما يعني الاحتباس السياقي للوطنية، بحيث يظل آداء صحفي الاذاعة الوطنية كما كان آداء المرحوم عيس جرادي في إذاعة صوت العرب أثناء فترة الكفاح المسلح، يعمل على التعبئة وليس نقل الحقيقة باعتبارنا خرجنا من سياق التحرير (الذي يفرض الحشذ والتعبئة) إلى سياق الحرية (الذي يفرض التنوير ونقل الحقيقة)  أو يفترض ذلك.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى