وجوب أن نتصارح فلسطينياً
فريح أبو مدين

أعتقد أنه حانت ساعة الحقيقة لنتحدث لفتح وحماس وهنا لا أعقد مقارنةً بينكما ولكن سأتحدث عما وصلنا إليه بقيادتكم من واقع منابتكم وبرامجكم وأيدولوجياتكم فكلاكما بدأ انطلاقته كما تسمونها بمبدأ تحرير فلسطين من بحرها لنهرها وهذا ظاهر بالتسميات التي تلقبتم بها ثم تحورت المبادئ والمواقف إلى مفاهيم مغايره غير محددة المعاني والوسائل والأهداف لقد ارتكزت البدايات على ثقافة الإخوان المسلمين حتى نجحت فتح بالتحرر من تلك التبعية العدمية ولاتزال حماس تراوح بين اعتراف وانكار بين عدة محاور واتجاهات إسلامية وعربية ويلاحظ أنها تتبع خطى فتح أحياناً بالكربون إلى أن وصلت للتطلع والطموح إلى الاعتراف الدولي  طريقاً للوصول للحديث مع إسرائيل مداورةً حتى الآن ومرتكزات ذلك قطر وتركيا وترجح كفة قطر بتواجد القيادة في الدوحة ولو أن الثقل في غزة، ولا ننسى توجه خالد مشعل في تجديد فكر حماس فالمقاومة ليست مطروحة كالبدايات كبضاعة دفع الشعب ثمنها غالياً من أسرى و شهداء و دماء و دمار.

كذلك فتح فالمفاوضات وعبثيتها لم تسعف أبو مازن في مغامرته الأسلوية وتربع على عرش فتح وجعل من السلطة و المنظمة تكيه بعد أن انحرفت إلى وادي التيه وتشرذمها كما نرى عباسي ودحلاني وعزوف كتلة كبيرة من فتح على الانخراط في عبث من تورثوها بعيداً عن ثوريتها واعتقد أن دعاة الكفاح المسلح فيها يتقلبون في قبورهم بعد أن تمت تصفيتهم وترك الميدان لأم حميدان كما يقال ومعظمهم لم يحمل بندقية أو يطلق رصاصة على إسرائيل غير التنظير للسلام بلا سلام بل يتم التباهي بذلك في المحافل الدولية متنكرين لقضيتهم على انها قضية تحرر وطني كسائر حركات التحرر في العالم التي اعتمدت الكفاح المسلح وغيره وسيلة للتحرر وبقيتم تعيدون الفشل و القضية حزينة وطويلة نتركها للمؤرخين  الباحثين.

نقفز خطوة إلى الأمام لنرصد الواقع الحالي حيث استبدلت البندقية وما تمثل بسلاح المال وما يعني حيث كان رفيقاً مدمراً على طول المسيرة ولم يوظف لما هو مطلوب منه بل أصبح أداةً للتحكم في الشعب (رغيف خبز وراتب) يتم التحكم به بالريموت كنترول وإسرائيل شريكة بهذا ويخرج علينا فلاسفة الانهيار بالقول السلطة مكسب يجب الحفاظ عليها وللأسف باقي التنظيمات تحاول أن تبقى  رأسها فوق خط الماء بحجة اخرى بقولهم الحفاظ على اطلال المنظمة و هذا منطق عدمي بعد تزوير المجلس الوطني الأساس والمرجعية للمنظمة وما تفرع عنها كصاحب ولاية فحين يجتمع بدعوة من أبو مازن بعد موافقة إسرائيل ويحشد له ما لم يكن لهم حق في العضوية فقل باختصار لا مجلس ولا منظمة تمثل الشعب الفلسطيني البالغ تعداده 12 مليون يتحكم به حفنةً بلا شرعية إلا شرعية الأمر الواقع و مقدرات المال الذي لوى أعناق الثوار والقضية أصبح أهم أوراق السيطرة الإسرائيلية فالفساد وأدواته تحت سيطرة العين الإسرائيلية والتي تفتح الطرق لذلك وتعرف كيفية ادارته وتتحكم بمن يحصل عليه وتعرف أين هي الملاجئ الآمنة التي يهرب إليها المال وكيفية تبيضه في اليونان وروسيا وأوكرانيا وكندا ودول الخليج

ومن هنا بدأت صراعات الصف الأول وكلنا نعرف ذلك ويهمني هنا أن أوضح أن أحد أسباب انفساخ وانفصال غزة عن الضفة وغوص حماس في مستنقع السيطرة على القطاع وكان هذا دور مطلوب لها ومنها وتوضيح لهذه الفترة بعد أن طلبت أمريكا بالتوافق مع أبو مازن اجراء انتخابات لإدخال حماس تحت سقف أوسلو ولم يرق هذا لمعظم عناصر فتح ولكن تحالف أبو مازن ودحلان هو تحالف سابق قبل استشهاد أبو عمار دفع لإجراء الانتخابات مع أن كلاهما كانت له قوائم مختلف عن الآخر وفازت حماس وتولت الحكومة والسلطة وهي اساساً ليست عضو في منظمة التحرير منشئة السلطة ولقد اصطدمت بفتح العميقة التي لم تمكنها من الحكم وبدأت قصة الفلتان والتي اثقلت كاهل أهل غزة وكان ضالعاً في ذلك العقيد محمد دحلان.

وبدأت حماس تعد العدة لحكم غزة بحسم او انقلاب ولكنها لم تدرك العواقب ومتورطة في كيان لا مستقبل له سياسياً وكان أبو مازن مدركاً وعارفاً بذلك ولم يحاول أن يحاصر المشكلة ولقد كتبت وقتها في شهر فبراير 1977 مقال بعنوان دولتين لتنظيمين انبه لذلك إلا أن الأمور سارت كما نعرف وغادر أبو مازن وكل المسئولين القطاع قبل وقوع الواقعة واعتبر أبو مازن أن ما جرى صفقة رابحة بالخلاص من غزة وبالتالي من دحلان الطامح للوراثة بالإزاحة والاستعجال وموقع الرئاسة يعطي القوة بالمال وقوة السيطرة وبين هذا وذاك تم تجريف ما يقارب خمسة مليارات للجيوب الفاسدة وحين تدفع إسرائيل للسلطة 800 مليون شيكل فلا أقبل أن يقال للشعب أن هذه حقوقنا مادام ليس لنا حقوق سياسية على الأرض.

وعلى الجانب الثاني وقعت حماس في فخ المال بطريقة فجة وأصبح يأتيها عن طريق مثلث برمودا الدوحة – تل أبيب – معبر بيت حانون بالشنط ومن يد ليد في غياب العراب العمادي الذي كان يوازن بين غزة والضفة وهو ضيف عزيز على المقاطعة وغزة وتل أبيب هذا غيض من فيض ولا يغرنكم مواقف خشبية معلنةً هذه الأيام وكأنها بطولات طارق بن زياد بل هي عملية خداع بقنابل صوت ودخان ستنجلي عن قريب والسؤال ما العمل للمستقبل في ظل هذه الصورة السوداء هو أن نبقى بين البحر والنهر ستة ملايين مردوفين بستة ملايين من الخارج إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا ولن نرحل مع الراحلين وراء أموالهم وسنطاردهم لاسترداده وتبقى الراية للأجيال والأحفاد ولابد من نصر في النهاية هذا حديث مختصر له بقية.

*كاتب ووزير عدل فلسطيني سابق .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى