وساطة فرنسا بين المغرب وإسبانيا.. الاختيار الصعب
محمد ماموني العلوي

الأزمة بين المغرب وإسبانيا مستمرة ولا أفق قريبا لنهايتها، وكانت مدريد سباقة في تفاقمها بإدخالها زعيم البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي إلى إسبانيا بهوية وجواز سفر مزوّرين، ما جعل المغرب يفقد ثقته في حكومة مدريد، هذه الأخيرة أحسّت بتداعيات تلك الأزمة وتبحث كلّ الطرق لإنهائها.

وزاد الوضع تعقيدا بعدما لجأت إسبانيا إلى إقحام دول الاتحاد الأوروبي عندما أوصلت الأزمة إلى داخل البرلمان الأوروبي تحت عنوان الهجرة السرية، حيث صوّت جزء من النواب الأوروبيين بتحريض النواب الإسبان، في العاشر من يونيو 2021، على قرار أعلنوا فيه رفضهم “استخدام المغرب للمراقبة الحدودية والهجرة وخصوصا القصّر غير المرافقين، كآلية ضغط ضد الاتحاد الأوروبي”.

بعد معاينة الرأي الأوروبي في ما يخص الأزمة، نجد أن دور فرنسا أقرب إلى الوساطة بين الطرفين، فهي العضو النشيط في الاتحاد الأوروبي والشريك القوي للرباط، وباريس معنية بهذه الأزمة كون المغرب وإسبانيا مهمّين جدا بالنسبة إلى مصالح الجمهورية الفرنسية سياسيا وأمنيا واقتصاديا.

والواقع أن وساطة فرنسا في الأزمة ستتخذ طريق القنوات السرية دون أن تخضع لمنطق الابتزاز والإملاءات السياسية على المغرب.

التهدئة بين مدريد والرباط ليست سهلة المنال، وباريس متيقّظة جدا لتطورات الأزمة المفتوحة على احتمالات كثيرة، خصوصا أن الحكومة الإسبانية ليست مستعدة إلى حوار مباشر وشفاف وموضوعي مع المغرب، بل إن بعض أعضائها تمادوا في استفزاز المغرب بدعمهم الانفصاليين علنا وبطرق كثيرة.

وسبق لوزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، أن أجرى اتصالات متتالية مع رئيسي دبلوماسية البلدين، وذلك للبحث عن حل سريع للأزمة المتفاقمة، مع تأكيد فرنسا أن المغرب شريك أساسي للاتحاد الأوروبي، خاصة في شؤون الهجرة، وأن “فرنسا تريد استمرار هذا التعاون وتعزيزه”.

باريس ليست معنية بتصعيد الاتحاد الأوروبي مع المملكة المغربية، وفي الوقت ذاته لا تريد التخلي عن دورها المحوري داخل الاتحاد الأوروبي فهو الحاضنة للدول الأوروبية ومصالحها المشتركة، ولهذا تعمل الدبلوماسية الفرنسية بشكل خاص على إطلاق حوار سياسي بين المغرب وإسبانيا بهدف تجاوز الأزمة.

واعترافُ وزير الخارجية الفرنسي بأن هناك علاقة معقدة للغاية بين إسبانيا والمغرب في الوقت الحالي، يبيّن مدى صعوبة مهمته التي تتطلب مجهودات طويلة وقاسية، حتى يتمكن الطرفان من تجاوز هذه الأزمة بالشكل الذي يرضي المغرب.

هناك قنوات عديدة تستغلها باريس لتلطيف الأجواء، منها مجموعة الصداقة البرلمانية فرنسا ـ المغرب في الجمعية الوطنية، حيث أكد رئيس المجموعة والمفوض في الشؤون الخارجية مصطفى لعبيد، أن “حل التوترات الثنائية في أسرع وقت ممكن سيمكن الاتحاد الأوروبي والمغرب من مواصلة تعاونهما الأساسي بطريقة سلمية”، كون المملكة “تمثل لأوروبا وفرنسا شريكا لا محيد عنه في ما يتعلق بسياسة الهجرة ومحاربة الإرهاب”.

المغرب كان واضحا عندما شدّد على أن الأزمة بين المغرب وإسبانيا وليست مع الاتحاد الأوروبي، وأن توظيف البرلمان الأوروبي في هذه الأزمة له نتائج عكسية ويندرج ضمن منطق المزايدة السياسية.

رغم أن فرنسا مازالت تتريث في فتح قنصلية جديدة لها بإحدى مدن الصحراء، فهذا لا يعني أن باريس تناهض مسألة سيادة المغرب على صحرائه، بل هناك اعتبارات عديدة لا تجعلها متناغمة مع مدريد في هذا الإطار. هذا الموقف ترجمته سفيرة فرنسا في الرباط هيلين لوغال، بالقول إن حل المشكل بالنسبة إلى بلادها “يتمحور حول خطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب منذ أكثر من عشر سنوات، والتي تقدم ضمانات للسكان الصحراويين”.

هذا الوضوح لا نجده عند الإسبان، بل يمكن القول إن تسهيل الدخول لإبراهيم غالي والقيام بكل السلوكيات السياسية والدبلوماسية وغيرها لدعم الانفصاليين، يعني أننا أمام موقفين مختلفين لكل من مدريد وباريس في ما يخص النظرة للنزاع المفتعل وطريقة حله.

مدريد تريد استغلال علاقتها مع فرنسا للضغط على المغرب حتى يتنازل عن حقوقه، فالتعاون بين مدريد وباريس قائم منذ سنوات طويلة لكن إسبانيا استشعرت أنها بحاجة إلى تطوير تلك العلاقة لأسباب كثيرة منها استجلاب دعم فرنسي ضد المغرب الذي يدافع عن حدوده ويطالب بعلاقات ندّية.

ولهذا أعربت وزيرة الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسبانية أرانشا غونزاليس لايا، ونظيرها الفرنسي لودريان في مارس الماضي عن رغبتهما في تعزيز العلاقات والتفاوض على معاهدة تعاون ثنائي بين فرنسا وإسبانيا تتضمن شؤون الهجرة والأجندة الرقمية والجوار الجنوبي ومنطقة المتوسط والساحل والصحراء.. وغيرها.

علاقات باريس ومدريد لن تلغي وعي باريس بحدودها مع المغرب، لاعتبارات تتداخل فيها السياسة والاقتصاد، فعلى سبيل المثال يتصدر السيّاح الفرنسيون قائمة السيّاح الأجانب في المغرب، ويتصدر المغرب قائمة وجهات الاستثمارات الفرنسية في القارة الأفريقية، كما تستثمر فرنسا في مجال الطاقة المتجددة.

فرنسا غير مستعدة للذهاب بعيدا في دعم الإسبان، فهي لا تزال الشريك الاقتصادي الأساسي للمغرب، وتعمل جاهدة للحفاظ على هذا الموقع مع اشتداد المنافسة في مجالي التجارة والاستثمارات.

تقريب الحوار الثنائي السياسي مع المغرب منذ العام 1997 إلى مستوى الحوار الذي تقيمه فرنسا مع أقرب شركائها الأوروبيين، يدلّ على أن العلاقات بين البلدين يطبعها في الغالب تضامن فرنسا مع المغرب. وفي هذا الصدد يجري رئيس الجمهورية والملك المغربي اتصالات متواصلة. والأكيد أن الطرفين يملكان خطا ساخنا في وقت الأزمات.

لهذا كلّه، من المهم النظر إلى ما وراء الاختلافات السياسية بين إسبانيا وفرنسا حول دور المغرب في مستقبل الأمن المتوسطي والساحل والصحراء كمنطقة استراتيجية في معادلة الأمن الأوروبي، حيث يدعو المغرب إسبانيا وفرنسا معا إلى الاعتراف بموقعه وتنسيق أفضل مع كل دول الاتحاد الأوروبي بشأن الأولويات الاستراتيجية للتهديدات المختلطة، وهذا هو منطلق المغرب للدخول في أي تهدئة مع الإسبان وبوساطة فرنسية، وللمساعدة في تطوير العلاقات الثنائية والجماعية في المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى