وضع الأسرى والمعتقلون في صفقة القرن
د_ محمد عبد الجواد البطة

 انتقام مركب وسجن للأبد وقطع رواتب واقتلاع من الجذور بالإبعاد والترحيل.

استهدفت هذه الخطة الخبيثة كل شيء في فلسطين، أولها الإنسان وحقوقه السياسية والقانونية والإنسانية والثقافية والحضارية والتعليمة والاقتصادية والأمنية، والدفاعية المشروعة والدبلوماسية،  وثانيًا استهدفت أرضه بما حملت وبطنت ، بحدودها وأغوارها وبجبالها ومقدساتها، بمائها وهوائها ببرها وبحرها وأجوائها وسمائها، حتى المياه العادمة لم تسلم، أرادت هذه الخطة أن تشرعن كل السياسات الظالمة والتعديات على الحقوق الفلسطينية بكافة مستوياتها  وأشكالها، وجعلها مسلمات للصالح الصهيوني، بحجة السلام الوقعي والازدهار المنشود، حيث قامت هذه الخطة على الإرضاء الكامل للمصالح الإسرائيلية والظلم المجحف لكل فلسطيني، واحدة من الأمثلة على هذا الظلم والانحياز السافر هي البنود التي تتعلق بالأسرى، ولا أجد غرابة في الأمر أن هذه الخطة استهدفت الشهيد والجريح والأسير وذويهم، لأن الثابت والغير متغير في سلوك الصهيوني هو إمعان شهوة الانتقام في ضحاياها، والمبررات جاهزة أهمها الأمن والسلام وهما غطاء للانتقام،

تقوم هذه الخطة على أن هناك لدي الطرفان أسرى، وأن الجانب الإسرائيلي له أسرى  ورفات لجنود محتجزين، أكدت الخطة في  القسم التاسع المعنون بمعايير غزة، الفقرة (ب) البند الأول: على الإفراج عنهم (الأسرى الإسرائيليين) أثناء الشروع في المفاوضات وقبل التوقيع على الاتفاق، ولن يتم تنفيذ الاتفاق إذا لم تفرج حركة حماس عنهم.

وأما بخصوص الأسرى الفلسطينيين جاء القسم الخامس عشر بعنوان السجناء : وجاء في ديباجته: ينص اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني (صفقة القرن) على إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين الإداريين الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية، ولكنه استثنى ثلاثة فئات من الإفراج، الفئة الأولى هم: المدانين بالقتل أو الشروع في القتل، والفئة الثانية هم: المدانون بتهمة التآمر لارتكاب القتل.. و الجدير بالذكر أن هؤلاء جميعهم  يحملون مصطلح  صهيوني عنصري يحث على الانتقام وقتل السلام وهو سجناء أمنيون أيديهم ملطخة بالدم اليهودي، منذ اتفاق أوسلو،  أما الفئة الثالثة فهم:  المواطنين الإسرائيليين. أي الفلسطينيون الذين يعيشون في الأراضي التي احتلت عام 1948، داخل الخط الأخضر ويحملون الجنسية الإسرائيلية، نصت الخطة أنه سيتم إطلاق سراحهم شرط أن لا يكون ضمن الفئات سابقة الذكر، يعني بتوضيح أكثر لن يكون ممن ينطبق عليهم مصطلح (أيديهم ملطخة بالدم)، وسوف يتم إطلاق سراحهم على مرحلتين ولكن لن يعودوا إلى منازلهم الأصلية بل سوف يتم إبعادهم وترحيلهم إلى الجانب الفلسطيني، حيث جاء في البند الثالث من هذا القسم : سيسمح لهم بالنقل وإعادة التوطين بشكل منظم. سيصبح جميع السجناء الذين أطلق سراحهم مواطنين في دولة فلسطين. لتجنب الشك، لن يتم إطلاق سراح السجناء الموصوفين في البنود (1) و (2) و (3) أعلاه بموجب شروط اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية.(خطة ترامب/ صفقة القرن)

ومن الجدير بالذكر أن من النادر أن تجد فلسطيني في سجون الاحتلال محكوم بتهمة خارج التصنيفات الثلاثة سابقة الذكر، أي بمعني فرصة من سوف ينطبق عليه شروط الإفراج هم قلة لا تذكر، لأن في عرف الأمن الإسرائيلي أن من قدم كوب من الماء لشخص مدان بتهم القتل يعتبر متآمر معه.

وأما عن آليات إطلاق سراح الأسرى فتم تقسيمهم إلى ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى، ستحدث مباشرة بعد توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية،(صفقة القرن) ستشمل القاصرين والنساء والسجناء الذين تزيد أعمارهم عن 50 عامًا والسجناء الذين يعانون من اعتلال صحتهم وأولئك الذين قضوا أكثر من ثلثي مدة العقوبة. وسيتفق الطرفان على توقيت المرحلة الثانية، والتي ستشمل السجناء الباقين المؤهلين الذين قضوا أكثر من نصف مدة العقوبة. كما أن أي إفراج عن سجناء إضافيين سوف يعتمد على موافقة إسرائيل. وكجزء من الاتفاق الخاص بالسجناء، ستوافق دولة إسرائيل على منح العفو لأولئك الفلسطينيين الذين ارتكبوا جرائم قبل التوقيع على اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، والذين يقيمون خارج دولة فلسطين، والذين تمت الموافقة على دخولهم إلى دولة فلسطين بموجب اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني. على الرغم من ما تقدم، لن يتم منح أي عفو عن أي فلسطيني موصوف في البنود (1) أو (2) أو (3) أعلاه، ولن يُسمح لهؤلاء الأفراد بالدخول إلى دولة فلسطين.، كما سيُطلب من كل سجين يُفرج عنه أن يوقع على تعهد بتعزيز فوائد التعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين داخل مجتمعهم، وأن يتصرفوا على نحو يشبه التعايش. سيظل السجناء الذين يرفضون التوقيع على هذا التعهد مسجونين. كما جاء في نفس البنود لكل سجين يُفرج عنه الحق في طلب اللجوء في بلد ثالث.

من الملاحظ  أن هذه البنود لا تصلح لبنود استسلام فكيف لو كان سلام يراد منه التعايش السلمي كما يدعون، ففي البنود السابقة الكثير من المعاني الشاذة في حق الأسرى، أهما: أنها عملت على تقسيمهم فئات حسب: الحكم، و الحاجة العلاجية، ثم فئات حسب مدة الاعتقال.ثم فئات تخضع إلي العفو الرئاسي الإسرائيلي وأخرى لا، وهذا أمر عليه الكثير من المآخذ أهمها أن هذا العفو لم يمنح لفلسطيني قط، ولكنه منح أكثر من مرة ليهودي قتل فلسطيني بدافع قومي. فكيف يترك الأسير لرغبات دولة لا تعرف الصفح والسلام. وأخطر ما جاء أيضًا في هذه البنود أن يقوم كل أسير انطبقت عليه شروط الإفراج بتوقيع تعهد لعدم ممارسة أي نشاط وطني تراه إسرائيل مخل بأمنها، ومن رفض التوقيع لن ينال الإفراج، ثم فئات يتم الإفراج عنهم مقابل ترحيلهم من أي جزء من دولة فلسطين ومنهم من يجب عليه أن يختار بلد ثالث وهي سياسة قديمة نشطت خلال ثمانينات القرن الماضي، عرفت باقتلاع الشجر من جذوره، وفرضت أيضًا على 39 مناضلًا كانوا قد احتموا في كنيسة المهد في بيت لحم في مواجهات انتفاضة الأقصى  تم إبعادهم عن بيوتهم منذ أيار /مايو2002 وحتى اليوم لم يستطع أحد منهم العودة إلي بيته..كما تم إبعاد 43 أسيرًا خارج البلاد ضمن صفقة شاليط، في تشرين أول/أكتوبر عام 2011.. ثم معاقبة الأهالي: لم تكتف بتعذيب الأسرى تعذيبًا نفسيًا ومعنويًا ووجدانيًا ، بل نقلت هذا التعذيب إلى الأهالي وإضافة عليهم العقاب المالي، من خلال اشتراطها على منظمة التحرير الفلسطينية بقطع أموال ورواتب الأسرى بحجة أنهم  إرهابيون.

كما أغفلت هذه الخطة وجود أكثر من 400 جثمان لشهيد فلسطيني محتجزة بقرار من أعلى المستويات السيادية في إسرائيل ومن العجب أنهم يطلقون عليها مقابر ضحايا العدو وتعرف عربيًا بمقابر الأرقام وجثامين أخرى محتجزة في الثلاجات. ولم تذكرهم الخطة ببند من قريب أو بعيد ولاشك أن هذه الخطة جاءت لتصفية القضية الفلسطينية  ولتجريم رموز النضال الفلسطيني وهم الأسرى الذين  يمثلون الضمير النابض بالحياة والحافظ لديمومة ثورة القرن، و ثورة الإنسانية والحق،  وإمعان شهوة الانتقام فيهم من خلال إبقائهم في السجون أبد الدهر وقطع رواتبهم وإبعاد وترحيل من تم خروجه ..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى