ولد قابيلة يتغسَّل من التاريخ بدم عبان ويتغزل بالحراك بإدانة بوتفليقة!
بشير عمري

 

سبق وأشرنا إلى هول ضعف الكتابة السياسية في الجزائر كنشاط حيوي على نطاقي التجربة والمعرفة، وأرجعنا ذلك لاعتبارات عدة أجلها كان هيمنة السياسة بمفهومها العملي القمعي وكذا النفعي على حساب العقل وقيمة التاريخ، كما وأشرنا حينها أن ثقافة المذكرات السياسية تكاد تكون عزاء نشاط الكتابة السياسية الوحيد في الجزائر، حتى وإن كان مضمونها سردي ذاتي أكثر منه سياسي موضوعي لكن في ظل الاحتباس التاريخي للسياسة في الجزائر تبقى لموضوعات هذا النوع من الكتابة شرعيته وفعاليته في الواقع بحسب درجة موضوعيته وابتعاده عن وحل الذاتية في تفسير ما حدث ويحدث.

وفي هذا الاتجاه ذكرت مصادر إعلامية أن مذكرات وزير الداخلية السابق وعضو جهاز الاستخبارات إبان فنرة الاحتلال أو من يعرفون جزافا في أدب الثورة بـاالملغاش، نسبة لجهاز “المالغ” محمد ولد قابيلة ستنزل قريبا إلى السوق يطرح من خلالها بعض صور الصراع الحاصل في الجزائر حول الحكم وكيفية إدارة الدولة ومن ذلك رؤيته لنظام بوتفليقة الذي اشتغل فيه وزيرا للداخلية.

من غرائب أمور السياسي في الجزائر حتى وهو يسوق السياسة تاريخا وليس فعلا، تراه لا ينفك عن منطق المخادعة، كما لو أنه جُبل على منطق التعامل السياسي بكل مناوراته وحساباته وكذبه في الحياة العامة، وبذلك يُستعصى عليه “التقاعد النفسي” إن جاز التعبير من هذا النشاط المهمني المهين له بسبب اشكالات التاريخ التي نشأت وواكبت العمل الوطني في مرحلة بداية تجلي لاستقلال وظهور أولى بؤر الصراع الطاحن داخل حظيرة القيادة الثورية.

وفي هذا السياق تحديدا تذكر المصادر المطلعة على نسخة المذكرات التي ستنزل إلى السوق بسعر 1300 دينار، أن محمد ولد قابلية عاد في كتابه الموعود يعود بالذاكرة إلى الخلف، وتحديدا إلى فترة الثورة ليدين عملية اغتيال رمز من رموزها عبان رمضان من طرف جهاز الاستخبارات “المالغ” وذلك في غمرة تصاعد حدة الصراع بين السياسي والعسكري في الجزائر، وهو نفسه (محمد ولد قابلية) الذي سبق ودخل في خصومة مع عائلة عبان رمضان إثر تصريح شهير له بصفتحه رئيس لجمعية قدماء “المالغ”، برر فيه عمل الاغتيال بكونه كان في مصلحة الثورة.

إذ لم يبخل ولد قابيلة بأي كلمة من لغة المدح ليكيلها إلى الزعيم السياسي للثورة وعقلها المدبر عبان رمضان معتبرا إياه ظاهرة في التفكير والتدبير الثوري فريدة من نوعها وأنه باغتياله خسرت الثورة ولربما الاستقلال معا رجل كان سيمنح الوطن والوطنية قوة إضافية في عملية تطوير الثورة ثم بناء الدولة!

وهنا ينتصب السؤال المر في مسعى فك جدلية التلازم بين الحقيقة التاريخية والحسابات السياسية في وعي وسلوك رجل السياسة في الجزائر، هل كان طرح ولد قابلية على الأقل في موضوعي عبان رمضان وفترة حكم بوتفليقة التي سنأتي إليها بشيء من الايجاز فيما سيأتي، سيغدو بهذا الأسلوب المتسم بشيء من الاغتسال السياسي من التاريخ فيما لو لم تحدث ثورة الحراك ويظهر النظام بالهشاشة التي هو عليها اليوم؟

قطعا سيكون حتما ليس بعارف لا بالسياسية ولا طبيعة نشطائها من الرعيل الأول في الجزائر من يجيب بالايجاب، وكل الذين كتبوا مذكراتهم من ذلك الجيل رموا بكامل الذنوب والاثام  على من سبقوهم بالموت وما تبقى من أقساط الغي والانحراق ألقوا بها على الأحياء ممن يكرهون في مسرح صراع الحكم، فولد قابيلة الوزير كان ملتزما بالخطاب التاريخي الرسمي الذي يسكت عن “جرائم الدولة” في عديد المواضيع ويؤول أخرى بكونها من أجل مصلحة الثورة أو الوطن، وبذلك نلفي أنفسنا بإزاء حالة انشطارية في مفهوم الكتابة السياسية كما هو الانشطار الحاصال في مفهوم أخلاق السياسية حيث تنزع عنها طبيعة الاخلاق العمومية وتغدوا باخلاق وظيفية الخاصة، أين يصبح مثلا  الكذب بمنطق السياسة الوظيفي فضيلة، فالشيء نفسه لدى السياسي الكاتب في الجزائر بعكس الكاتب السياسي، إذ تنشطر لديه الموضوعية بين مرحلتين ما قبل وما بعد نهاية مشواره السياسي الرسمي فللأولى خطابها وحقائقها الموضوعية وللثانية موضوعيتها البديلة!.

وما شدني في جزئية ولد قابلية حول عبان رمضان هو أنه، بعد الادانة والتأسف على عملية قتله الاجرامية، ألقى بكامل المسئولية في ذلك على العقيد عبد الحفيظ بوصوف رئيس جهاز الاستخبارات الجزائرية ومؤسسه زمن الثورة، وجزم أن القرار بالقتل ما كان ليأخذ طريقه للتنفيذ والتجسيد ولولا الضوء الأخضر الذي تلقاه من كريم بلقاسم، وهي العبارة التي أوردها حرفيا ابن أخ عبان رمضان الدكتور بلعيد عبان في كل كتبه التي خصصها لقصة الجريمة النكراء التي راح ضحيتها الزعيم عمه بمدينة تيطوان بالمغرب سنة 1957، وأعاد (بلعيد عبان) ذكرها  في حوار قوي وشهير له مع الصحفي المميز إحسان قاضي في إذاعة راديو آم بالفرنسية!

وكأن بالرجل (ولد قابلية) بذلك لا يريد التنصل من الرواية الرسمية في سبب اغتيال عبان رمضان بتلك الطريقة الشنيعة فحسب بل وتأكيد رواية العائلة من خلال الباحث السياسي بعليد عبان ابن شقيق عبان رمضان، بعد الغضب الذي تسبب لهم فيه من خلال تصريحه الشهير يوم كان وزير للداخلية برر فيه وأحقَّ عملية الاغتيال كونها كانت في مصلحة الثورة، ما يعني بأن عبان رمضان كان يقف حائلا في وجه تلك المصلحة.

أما عن بوتفليقة الذي خدم نظامه ولد قابلية لسنوات في جهاز الداخلية، والذي وصفه في كتابه بكونه يعاني من جاذبية مرضية للحكم، فهي إرادة للتغزل والتغسل بالحراك من ماض سياسي أسود بالفساد الذي انتجه وكرسه بوتفليقة ومحيطه، ليتضح بأن عقدة السياسي في الجزائر تظل السياسة ذاتها لأنها تقع في محظورات التاريخ حيث اللا شرعية واللا منطق للحكم الذي يسود ويسوس البلد منذ انقلاب 1962 إلى يوم الجزائر  هذا .

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى