ولكنها ثورة!

يصر البعض ممن لم يفهموا بعد منطق الثورة وقانون سريانها وجريانها في نهر الزمن في معرض نفيهم لثورية الحراك أن الهبة كانت (غضبة فقط ضد استفزاز النظام للشعب بترشيح رئيس مريض لولاية خامسة) ولا يدرك هؤلاء أن الثورة ومنطقها ثوايا في قولتهم تلك كونها تتضمن عناصر الأزمة التاريخية للبلد مذ استقل إلى يوم الناس القلق هذا.

فـ(غضب الشعب) ليس كمثل غضب الفرد إلا ما كان على سبيل الاستعارة في السياسة، فغضب الشعب هو حالة تاريخية تتأتى من تراكم الخيبات التي تتجاوز بكثير مستوى الاحتجاج أو التذمر الذي قد يُعبر عنه  جزئيا أو قطاعيا كما حدث طيلة العشرين سنة التي حكم فيها بوتفليقة البلد، حيث لم يعرف مثل فترة حكمه حجما من الاحتجاجات في مختلف القطاعات الاجتماعية والمهنية.

أما العبارة الثانية كسببية للغضب في مقولة من رفض صفة الثورة على الحراك (استفزاز النظام) فهي أقوى مؤشر على بلوغ الحالة الحراكية مستوى الثورة، فلاستفزاز في منطق السياسة، هو أولى تمظهرات حالة التحدي والطغيان التي تؤدي بالضرورة إلى الثورة والاطاحة بالوضع القائم، وكل تجارب الطغيان عكست ذلك في آخر مطافاتها مثلما يحدثنا تاريخ وأدب السياسة.

وثالثة الأثافي التي تحجج النافون لقيمة الثورة في حالة الحراك الشعبي في قولتهم تلك، هي (ترشيح النظام لرجل مريض لولاية خامسة) مع أن الترشيح مبدئيا لا يعني الفوز بالرئاسة، ولم يحدث في التاريخ أن ثار شعب على مجرد مرشح لدخول سباق انتخابي، لكن وعي المواطنين بأن (النظام) هو من رشح هذا (المريض) ليحكم شعب شاب سوي هو وعي بحقيقة الدولة وجهازها غير الطبيعي وغير المنطقي في إدارة الحكم وهيمنته على إرادة المواطن  والناخب وبالتالي ثار ضد هاته الحالة.

فهل بعد كل هاته التجليات لعناصر الثورة من داخل خطاب الرفض لها بقي من شيء يستدعي السؤال حول ما إذا كانت هبة الشعب الكبرى منذ 22 فيفري 2019 تحمل صفة وخصائص الفعل الثوري؟!

والحقيقة أن ركون هؤلاء للموقف المستكثر لصفة الثورة على الحراك، راجع لاعتبارات عدة، ومن محاسن الثورة الحراكية أنها جعلت العقل السياسي الوطني ينتبه لها وقد يؤسس لها في علم ومعرفة السياسة حتى، وهي “العقد الحائلة” منها ما هو نفسي كالعقدة من ضياع الحب الأول للثورة، فبعض الجزائريين بمجرد أن يسمع كلمة (الثورة) حتى لو كانت في فضاء جغرافي وسياسي وتاريخي آخر فأول ما يخطر على باله هو ثورة أول نوفمبر 1954، في حالة قدسية من قدسيات الوطنية الأولى التي لا تزال راسخة بفعل ركام الخطاب الوطني الأول الذي طغى وغطى بنرجسياته على العقل الوطني فاستحال الماضي إلى عصمة صلبة منزهة ليس على النقد فحسب، بل على الشك حتى، الأمر الذي تاجر به الساسة ورجال السلطة طوال العقود الست من الاستقلال.

جانب آخر  يستشكل على “الرافضة” لمنطق الثورة في الحراك الشعبي متأت من العقد الحائلة وهو  معرفي، يتعلق بتأخر في الاستيعاب لمعطيات المعرفة السياسية المتجددة والمتطورة باطراد ظهر ايقاعه أسرع من أن ينمثله هؤلاء، وما أكثر ما يفلت من العقل العربي اليوم من علوم ومعارف متجددة وجديدة بسبب تأخر مؤسسات وآليات التحصيل المعرفي والعلمي، فالثورة لم تزلها عالقة بالعقل الوطني وفق المفاهيم الكلاسيكية الأولى، تنظيميا، فكريا  وحركيا، وفق ما كانت عليه الانسانية من هرمية اجتماعية تنبني على مستويات ورتب وسلط رمزية ونخب لتصل إلى قاعدة الرفض الكبرى  !

لقد خلخل التطور الحاصل على صعد التكنولوجيا كل البنى الاجتماعية والانسانية القديمة، وتحررت منطقيا ووظيفيا، كما هو الشأن في حالة تحرر  الصورة والصوت اليوم من قبضة السلطة بحيث صارت عابرة للأسوار والأطوار والقارات متاحة للنشر وتلقي في رمشة عين وعلى كامل نطاق المعمورة حتى قيل مما قيل في أدب النهايات الذي يطبع الخطاب الحداثي اليوم، أننا بلغنا مرحلة موت الصحفي أو بمنطق الما بعديات “ما بعد الصحافة” فكل حامل لهاتف ذكي صار بوسعه أن يكون صحفيا بأي شكل من الأشكال، وليس بالضرورة أن يكون حاملا لشهادة أكاديمية، أو بطاقة مهنية.

هكذا خلخلة للمفاهيم طالت اليوم حتى السياسة، إذ صارت  الثورة تصنع مشاريعها وشعراتها بلا قيادة على مسارح التلاقي والالتقاء في الفضائين الافتراضي والحقيقي، نطاقان زمكانيان أغنيا نشطاء وحملة الثورة من الآليات القديمة وبالتالي شكلا عناصر جديدة في مفهوم الثورة ونسقها تنسخ به النظام المفاهيمي القديم.

ومن هنا يبرز الاشكال الكبير الذي كشفت عنه تجارب الربيع العربي والسياق التاريخي التكنولوجي الذي تفجرت ثوراته فيه، وهو الفوضى العملية للمفاهيم، لدى حملة الثورة بمعطياتها الجديدة من جيل جديد نشأ واستقام وعيه في الاجتماع والسياسة على أشيائه الخاصة، وجيل من سلطة السياسة والمعرفة القديمتين ممن مارس أو زعم أنه مارس الثورة وفق الأساليب والمضامين القديمة وبالتالي نعيش حالة شبيهة ليس طبعا بـ”حوار”  ولكن صراع الطرشان حتى لا نقول الثيران.

فشكرا لثورة الحراك وثورات الربيع العربي التي تجاوزات مؤسسات المعنى والسياسة والمعرفة في استضاحها لجديد المفاهيم السياسية التي أفرزها سياق التاريخ، بعد أن ظل العقل الوطني يجتر في المعرفة العلوم السياسية أحداثا تاريخية!

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى