يحدث في بغداد..
مصطفى فحص

من موقع الوسيط غير المنحاز، الذي تحركه حساباته الوطنية، التي تفرض على من يكون في موقع القرار التنفيذي أخذها بالحسبان، خصوصا إذا كانت الحالة العامة تحتاج إلى من يخاطب الخارج القريب والبعيد بأولوياته الداخلية، التي أضعفته عندما اتفق الجميع عليه، وستقويه إذا اتفقوا معه. يسعى العراق إلى الانتقال من موقع الفعل السياسي إلى الفاعل، لفتح مرحلة جديدة من العلاقات بينه وبين جواره المتخاصمين فيما بينهم وعليه.

من العراق وإليه، عاد الاهتمام الإقليمي والدولي إلى بلاد الرافدين، هذه المرة من بوابة الحوار، بعدما أيقنت بعض الأطراف أن مساحة العراق التي استخدمت في الصراعات وتصفية الحسابات، وملأت بالسلاح والصواريخ، وتم التعامل معها كقاعدة متقدمة في معركة النفوذ والمشاريع العقائدية العابرة للحدود الوطنية، يمكن أن تتسع أيضا إلى طاولة للحوار تجلس إليها كافة الأطراف المتخاصمة.

مبادرة رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، بفتح قنوات اتصال بين الرياض وطهران، وبين طهران وواشنطن، ونجاحها في كسر الجليد بين أكبر جيران العراق، تعزز احتمال الانتقال إلى مرحلة سلمية يمكن من خلالها التأسيس لفكفكة العديد من العقد عن طريق الدبلوماسية البناءة. وذلك بعد فشل مشاريع الهيمنة وزعزعة الاستقرار، عبر الصواريخ والمسيرات والميليشيات التي لم تستطع تغيير قواعد الاشتباك الإستراتيجية، ولم تنجح إلا في تحقيق بعض المكاسب التكتيكية غيرت المعادلة مؤقتا، ولكنها تسببت باستنزاف لا حدود له.

في 8 أبريل الفائت، كشف وزير الثقافة العراقي، حسن ناظم، عن “تحرك جهود حكومية لإنهاء الصراع السعودي الإيراني، مبينا أن العراق يريد أن يتجنب أضرار الخلافات في المنطقة”، وبلغة أخرى إن حكومة الكاظمي لا تريد أن يدفع العراق ثمن هذا الصراع، بل إن ما يدفعها من أجل هذا التحرك هي المكاسب التي قد يجنيها العراق اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

فمما لا شك فيه ان هناك قناعة سعودية بأهمية دور العراق العربي والإقليمي وبضرورة إحياء دوره الجيوسياسي. في المقابل هناك تبدل في طبيعة التعاطي الإيراني مع بغداد، بعد أن اصطدمت العلاقة غير المتوازنة بينهما بعدة أزمات، فرضت على بعض صناع القرار العراقي في طهران تغيير سلوكهم، واللجوء إلى التهدئة والحوار، بعدما أدت الأساليب الأخرى إلى هزائم معنوية وسياسية لا يمكن ترميمها بسهولة، خصوصا بعد “انتفاضة تشرين” ضد الطبقة السياسية العراقية المحسوبة على طهران.

أهمية ما يحدث في بغداد بين طهران والرياض أنه بعيد عن الأنظار،  ولولا تسريب صحيفة الفاينانشل تايمز، وبالرغم من كل التكهنات والاستنتاجات المسبقة والتحليلات الشرعية والمستفيضة الإيجابية منها والسلبية، المراهنة على نجاحها أو التي ترغب بفشلها، وسط هذه الظروف المعقدة والحساسة لما يجري في بغداد،  يستمر الصمت المدروس من قبل الأطراف المعنية (بغداد، الرياض وطهران) وبين النفي والترحيب، إلى أن قطع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشك باليقين، وخاطب في آخر لقاء صحفي له طهران بلغة الجار والحوار والمصالح المشتركة، وهي خطة ستضع الجميع أمام مفرق طريق إقليمي- دولي، لأن نتائجه الإيجابية ستغير طبيعة العلاقات بين دول المنطقة، وستنعكس تدريجيا على بقع الصراع الأخرى التي تعاني من جرّاء سياسات النفوذ والهيمنة وإلا استمرا النزاع.

وعليه، وبعيدا عما سوف تصل إليه نتائج الحوار، فقد تمكنت بغداد من انتزاع موقعها كحيز جيوسياسي، من خلال اختيارها مكاننا للاجتماع، وهذا اعتراف أولي بدورها، كما أنه يُسجل لرئيس الحكومة مصطفى الكاظمي أنه استفاد من علاقته بالجانبين، وتعاطى بمسافة واحدة ساعدت على بناء الثقة بين الطرفين، وبناء الثقة بدور ممكن للعراق، فالكاظمي الذي نجح في قضاء حوائج الحوار بالكتمان، وفتح قنوات سرّية قد تظهر إلى العلن لتسجل انتصارا دبلوماسيا للعراق طال انتظاره، أو…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى