يحدث للمسلمين ومواطنتهم في الهند

محمود الريماوي

اجتمع مجلس النواب الهندي المنتخب، في 17 يونيو/ حزيران الماضي، وذلك بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية في الهند، حيث حصد حزب بهارات جاناتا 302 مقعد من أصل 542 مقعدا، بينما فاز حزب المؤتمر بـ52 مقعدا. مكّن ذلك حزب جاناتا، القومي الهندوسي، من التمتع بولاية ثانية لحكم بلاد الأفيال. أما عدد النواب المسلمين فبلغ 24 نائبا، وبما نسبته 4% من عدد المقاعد، بينما تتراوح نسبة الهنود المسلمين إلى مجموع الهنود بين 10% و14%، وبعدد يتراوح بين 172 مليونا و200 مليون نسمة، وذلك وفق إحصائيات وتقديرات متفاوتة. وفي حفل الافتتاح، وفي أثناء أداء النواب المنتخبين القسم، تعرّض النواب المسلمون لسباب من زملائهم، نواب حزب جاناتا، وبغير سبب يذكر، سوى أن أولئك مسلمون. وتشير تلك الواقعة التي تتنافى مع مكانة المحفل البرلماني، ومع تاريخ الهند ودستورها، إلى مناخٍ مسموم يُطبق بصورة متنامية على الهند منذ نحو عقد، مع تنامي ثقل حزب جاناتا، ومع استشراء موجةٍ شعبويةٍ ذات منزع قومي وديني، تتم فيه المضاهاة بين الهند والعقيدة الهندوسية (الهندوس نحو 80% من السكان). وإذ يجري احترام المنزلة التي يتمتع بها الهندوس على مستوى وطني، سادت على الدوام وقائع ومشاعر التعايش بين مختلف المكونات (ومنهم البوذيون والمسيحيون والسيخ إضافة إلى المسلمين)، مع سعي الهند عقودا إلى تظهير صورتها دولة ديمقراطية علمانية، إذ تنص المادة 25 من الدستور “يتمتع جميع الأشخاص بحرية المعتقد وحرية المجاهرة بالدين وممارسته وترويجه”. وقد نجحت الهند من قبل في ذلك نجاحاً لافتاً، غير أن من شأن الانعطافة الجديدة نحو تكريس التمييز الديني والقومي سياسة عامة أن
تعيد رسم صورة هذا البلد على قواعد الاصطفاء والفرز بين ملايين المواطنين، بما يشكل ردّة عن القيم التي شاعت خلال الكفاح ضد الاستعمار الوطني، وعقب مرحلة الاستقلال نحو ستة عقود.
لا يتعلق الأمر فقط بالسلوك الشائن ضد نوابٍ منتخبين في اليوم الأول لانعقاد مجلس الشعب النيابي، بل بجملة سياساتٍ وإجراءاتٍ ترمي إلى إعادة تشكيل هوية جمهورية الهند وهندستها الديمغرافية، ومن ذلك إعادة فحص وثائق الجنسية لأبناء إقليم آسام في شمال شرقي البلد، وحيث يشكل المسلمون أكثر من ثلث السكان فيه. وتستند المراجعة إلى رواياتٍ عن كون معظم السكان مهاجرين في الأصل. وهي روايةٌ لا تخلو من الصحة، حيث نشأ محيط بشري متلاطم الأمواج، نتيجة موجاتٍ من الهجرة واختلاط الأعراق وتغيير أماكن الإقامة في شبه القارة الهندية بسبب كوارث الطبيعة والصراعات. وكما وقع في دول متاخمة في جنوب شرق آسيا، وقبل أن تنشأ الكيانات السياسية المستقرة. وبالنسبة لسكان إقليم أسام، تم اجتذاب أعداد من هؤلاء في فترة الاستعمار البريطاني المتدرج في العشرينات من القرن التاسع عشر. وكانت بدايات هذا الاستعمار في العام 1774 مع تعيين أول حاكم بريطاني. وهكذا وبعد نحو قرنين، يُراد للسكان أن يعيدوا إثبات شرعية وجودهم وهويتهم بعد صيرورة إعادة تشكلهم وانتسابهم إلى النسيج الهندي المتنوع. بموازاة هذا التوجه، أعاد الحزب الحاكم جاناتا النظر في وجود لاجئين ومهاجرين وفدوا إليه على فترات متعاقبة، ونسبة كبيرة منهم تقبع في السجون، بتهمة التسلل إلى البلاد. وفي وقت مبكر من العام الجاري، تم تمرير قانون المواطنة في مراحل أولى في البرلمان، وهو يسمح للاجئين من الهندوس والبوذيين والمسيحيين والأديان الأخرى، باستثناء اللاجئين المسلمين، من التمتع بالإقامة الشرعية، والتقدّم للحصول على الجنسية. ويقول أبناء إقليم آسام إن الهدف تجريد أعداد كبيرة منهم من جنسيتهم، ودفعهم إلى الهجرة، وإحلال وافدين محلهم في  أراضيهم وبيوتهم.
وفي هذه الأجواء المشحونة، تشيع ثقافة جديدة، مفادها بأن الهندي المسلم هو إما إرهابي أو باكستاني أو بنغالي، بل إن الهندي المسلم هو هندوسي مرتد عن العقيدة. وتخشى النسوة من ارتداء الحجاب، كي لا يكشف هذا الزي عن عقيدتهن. وهي أجواء غير مسبوقة في بلد نهرو وغاندي وسينما بوليوود. ويتذرّع المتطرّفون القوميون بأن لباكستان هوية دينية واضحة وكذلك لبنغلادش، فلماذا لا تكون للهند هويتها؟ وكأن المجتمعات يمكن إعادة تشكيلها بأثر رجعي، وبقرارات نكوصية، بعد تغير الظروف والأحوال، وعقب نحو ستة عقود من الاستقرار الدستوري الذي منح البلاد ما اكتسبته من مكانة دولية مرموقة باعتبارها أعرق الديمقراطيات الآسيوية. ثم لا يغدو غريبا أن تقع أخيرا اشتباكاتٌ واسعة في الجامعة الملية إسلامية في نيودلهي، بعدما دهمت الشرطة بقنابل الغاز باحات الجامعة، لقمع تظاهراتٍ للطلبة ضد قانون المواطنة، وهو ما يحمل كثيرين على إعلان مخاوفهم بأن ملايين الهنود المسلمين يسيرون تحت حكم حزب جاناتا نحو الاندراج الواقعي في خانة مواطنين من الدرجة الثانية. وقد استغل هذا الحزب المتطرّف أجواء التوتر مع الجارة باكستان، لشن حملته هذه، مدعوما من جمعيات وروابط أهلية شبه حزبية، والتي ترافقت مع إنهاء وضع الحكم الذاتي لإقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة، علما أن بقية الولايات تتمتع بالتسيير الذاتي في ظل نظام فيدرالي، إلا أنه رؤي نزع هذا “الامتياز” عن كشمير دون سواها، وفرض الحكم المركزي عليها.
كما يجري استثمار تراجع الوضع الاقتصادي، وانخفاض معدلات التنمية، لتشتيت أنظار الشرائح الكبرى عن هذه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بالنفخ في الفوارق الدينية والهويات والأعراق والأصول (تراجع كبير على سبيل المثال في قطاع صناعي ضخم لصناعة السيارات والدرّاجات)، وقد لوحظ أن الحملة على من يدينون بالإسلام قد رافقتها حملة ضد الهندوس المنبوذبن أو الهاريغان، والتهمة أنهم يتناولون لحوم البقر (علما أنهم لا يجدون ما يأكلونه!)، وهؤلاء يقعون في أسفل السلم الاجتماعي حسب مراتب كهنوتية. وهذه ليست شريحة هامشية أو ضئيلة في المجتمع، إذ تعدادهم نحو 165 مليون نسمة، ولم يسعفهم انتماؤهم الديني من مضاعفة الاضطهاد بحقهم، ما حمل بعضهم على التحوّل الديني واعتناق البوذية.
يقول كيشان، وهو ممثل أفلام إثارة وأكشن، وقد تحوّل إلى السياسة، إنه سوف يحثّ على تغيير اسم الهند إلى بهارات، والمقصود ليس المكملات المعروفة للأطعمة، بل تسمية قديمة وتقليدية للهند. ولا ريب أن من شأن هذه الدعوة أن تصادف هوىً في نفس رئيس وزراء الهند، ناريندار مودي، الذي ظهر خلال الحملة الانتخابية في ربيع هذا العام بملابس راهب هندوسي، سعيا للوصول إلى كرسي رئاسة الحكومة في الهند العلمانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى