يدان تعملان معًًا في فتح.
بكر أبوبكر

بمناسبة انطلاقة الثورة الفلسطينية وانطلاقة حركة فتح في الفاتح من يناير 1965 نكتبُ عن ثورة انبثقت فجرًا في الزمن المستحيل، زمن عناق عقلية الاستعمار الغربي الموبوء بتفوقه وعنصريته وفكره المهيمن مع الاحتلال الصهيوني الإقصائي الاحتلالي الاحلالي.

ثورة ألقت حجرها في الماء العربي الراكد والآسن فأحدثت الصدى العالمي.

ثورة واجهت ومازالت تواجه الرياح العاتية خارج الأبواب الثقيلة التي تحمي حياض الأمة، وداخلها.

ثورة في الذات الانسانية، وفي ذات التنظيم، والمحيط وفي العالم.

إنها ثورة أشعلت العالم من أقصاه الى أقصاه نارًا ودخانًا وعمليات فدائية وجهدًا مركبًا بين السياسي والعسكري وما بينهما، وبتضحيات جسام لتُعلم العالم كلّه، وإن بصعوبة شديدة أننا هنا، وأن فلسطين أرضٌ محتلة، فإما نكون أو لا نكون، وقد كُنَا ونحن باقون.

الصرخة العربية الفلسطينية الدامية والمدوية أسمعت العالم أن في فلسطين شعبًا ينهدُ للحرية والتحرير ليتبوأ موقعه بين الشعوب أجمعين، وأنها حتما ستتحرر وتعود لأبنائها حرة أبية في دولة مدنية ديمقراطية على كامل الأرض والوطن.

لقد كان في اشتعال جذوة نار الثورة الفلسطينية إعلانٌ مدفوع الأجر من دماء كل الشهداء العظام، وآلام آلاف الأسرى والجرحى وأمهات المناضلين وأقاربهم أن الهوية النضالية الجامعة لمنطق الحرية الفلسطينية، بل والعالمية قد بزغ نجمها كما هو نجم السيد المسيح في بيت لحم.

الثورة والصرخة والحجر والإعلام والهوية النضالية التحررية التي أصبحت جليّة للعالم كله، لم يستطِع أحد بعد هذه المسيرة المتعبة الطويلة أن يتفوه مشككًا بها وبانجازاتها العظيمة إلا ساقطٌ وانعزالي عن أمته، أو محتل متغافل عن حتمية زواله، أو حاقد خانته ذاكرته أو هو خانها منتصرًا لذاته على حساب أمته وثورته العظيمة.

أن الهوية الحضارية العربية الفلسطينية قد أعيد بناؤها بوطنية الفلسطيني وقوميته وارتباطه الحضاري الاسلامي المسيحي المشرقي المبدئي القيمي، الذي لولا هذه الثورة الفلسطينية العملاقة وروّادها لما كان لنا أن نتحدث اليوم في الوطن وفي كل مكان بملء الفم لنقول: فلسطين لنا، وسنصلي بالقدس المحررة كما فتِئ يردد الخالد ياسر عرفات.

الكثيرُ يكتب في كل عام بمناسبة الانطلاقة المجيدة، ولكن في اجتمعانا رقم 25 للجنة التعبئة الفكرية في حركة فتح نهاية هذا العام 2020م، وجّهنا من قلب فلسطين في مدينة القدس ومدينة رام الله ومدينة الناصرة ومدينة حيفا ومدينة غزة وكل مدن وقرى فلسطين، ومن قلب عملنا التثقيفي التعبوي التدريبي الدؤوب هنا خطوة تتلوها خطوة وخطوات، وجهنا التحية للثورة وللشهداء والأسرى، ولجيل المؤسسين والرواد، ولأصدقائنا الأوفياء في العالم، والمسيرة مستمرة.

في الاجتماع التقييمي لعملنا نهاية هذا العام الكئيب سياسيا وعربيا، الكئيب من زاوية التتبيع العربي الانعزالي المتساوق مع صفعة “ترامب” العنصري المهووس بصهيونيته ومن تبعه بسوء الى يوم الحساب، والكئيب صحيًا عبر الفيروس التاجي ناقشنا الكثير، وكان لجميع الأخوات والأخوة في فريق عمل التعبئة الفكرية مداخلات جدّ ثرية آثرت أن  أطرق هنا زاوية واحدة منها هي فكرة الصراع الذاتي والخارجي في الذات، وفي داخل الحركة.

الصراعُ في داخل المجتمع –والذات- ومكوناته يقع ضمن حقيقة أن التغيير هو الثابت، فلا ثابت الا المتغير بالحياة، لذا يأتي مفهوم الصراع بمعنى غليان المتغيرات في مِرجل النفس بين البدائل والخيارات ضمن فهم أول محدّد نراهُ أصيلًا، أو بالمقابل هو الصراع بين المتناقضات المتقاتلة ضمن فهم آخر مختلف، وفي هذا المفهوم الثاني يكون الصراع منتجًا لآثاره المدمرة عندما يتخذ منطق الفسطاطين أومنطق الرابح مقابل الخاسر أوالإلغاء الكلي للمخالف.

الصراع في مفهومنا الأول يأخذ معنى الخيار والتجاور في ذات المكان والزمان والروح فيعمل على إنعاش وإحياء الأفكار المختلفة لأنها في سياق الاجماع العام تمثل بدائلًا وتمثل خيارات فلا يكون الصراع بمنطق التناقض أو التدمير أو الإفناء.

نرى أن منطق الصراع كمِرجل في النفس الانسانية وفي داخل الكيان (المؤسسة أوالجماعة أو الشخص أو الاسرة أو التنظيم السياسي او النظام السياسي…) هو حين استقرار ثقافة الديمقراطية والمدنية والتقبل للآخر يصبح مما يجب أن يؤخذ على منطقه الايجابي هذا، ولكن ضمن محددات تجعل من الصراع عملية قادرة على التغيير والتقدم وتحقيق النصر.

إن للصراع بمنطق الخيارات قدرته على الاعتراف والتفهّم والتقبّل للمختلِف في ذاتي أو ذاتك أنت، أو في محيطي القريب أو البعيد، وله قدرته على الاحتواء أوالاحتضان للمختلِف.

يقول لك علماء الإدارة والتنظيم أنك عندما تمارس -فردًا أو فريقًا- العصف الذهني فتراودك شتى الأفكار حتى الغريبة أو الشاذة أو غير المقبولة لك الآن: لا تلقِها أبدا وإنما أعد التفكير بها، أواحتفظ بها الى مرحلة قد تحتاجها أو تعمل على تشذيبها أوتعديلها، لذا نقول في ذات الأمر أن الصراع الذاتي الداخلي أو الخارجي ضمن دوائر العلاقات مع المجتمع والتنظيم يجب النظر لها بهذا المنطق الانفتاحي في ظل الثقافة الجامعة لا الإقصائية.

 

إن آلية خوض الصراع الداخلي في الكيان الذي منه الذات الإنسانية، أوالتنظيم السياسي-داخل التنظيم السياسي- باعتقادي عليه أن يتسم بصفات ثلاثة:

الأولى بأن تكون فكرة النضال أو خوض الصراع الداخلي والجهاد متمكنة من فكر ووعي وروح وقيم الشخص، فهو يكون صراعًا محمود العواقب مادام الشخص أو الكيان يحتفظ برساليته الايمانية، وبأفكاره ومبادئه الأساسية ونحن مبدؤنا لله سبحانه، ولفلسطين بلا لبس ومن حولها يلتف العالم.

أما ثانيا فإن الصلابة الداخلية للشخص أو الفريق ضمن التنظيم، أو للتنظيم في مواجهة غيره، هي الصلابة التي تقول بالثبات، والصلابة الدينية القيمية، والوطنية المبدأية التي يسندها حتما مرونة خارجية في التعامل بين الأخوة، ما يمكّن آلية التقبل للخيارات من العمل.

يجب ألا ترى بين الأخوة تناقضات إقصائية تجعلك أنت فقط ممثلً الحق مرفوع الرأس! وهو الباطل الذليل الذي مآله جهنم.

أما ثالثا فلا يمكن للرسالية في الروح وفي الفهم الروحي الداخلي، والمرونة الخارجية أن تتحقق الا بالعمل الدؤوب، الذي هو كان ومازال شأو حركة فتح التي لم تعمل بيد واحدة أبدا، وإنما عملت وحفرت بيدين اثنتين دومًا، مكرّسة الرفاقية والوحدوية، حيث يدٌ تبني ويدٌ تراقب.

يدٌ ترسم المستقبل وتخطط وتعمل، وأخرى تحفر بالماضي لتقيّم وتستفيد، لا لتبكي على أطلال الماضي التليد وترثي حالها الآني في تساوق مع دعائية المحتل وأذنابه ضد الأمة وفلسطين.

يدُ تبدع عملاً وإنجازا متحققًا على الأرض وفي قلوب الناس ومسلكهم النضالي، وأخرى تنتقد بأدب النقد الثقيل، وكلتا اليدين هما مفتاح النصر ومفتاح التقدم والتغيير.

 

ضمن مداخلتي هذه في اجتماع الأخوات والاخوة من أكاديمية فتح الفكرية ولجنة التعبئة والتدريب اختتمتها بالإشارة لمقدار الاستثمار الذي استطاع به الشهيد الخالد ياسر عرفات أن يفهم المعادلات ويعالجها، ويركز فيها على القضية الفلسطينية باعتبارها التناقض الرئيس، ويركز على ديمومة خوض الصراع كسنّة محمودة داخليًا، وكصراع وجود خارجيا أي مع المحتل.

من المهم أن أشير  لمئات الكتب المنصفة عن الثورة الفلسطينية وعن شخص ياسر عرفات بأقلام العرب والأجانب، وإن كنت فضّلت بالمداخلة القصيرة الإشارة لأهمية قراءة كتاب “نانسي دوبرو” المعنون ياسر عرفات متى لم يكن هنا، والرجوع لكتابي عن الحركة المعنون: الوتر المشدود أبناء فتح بين الفكر والتنظيم والسياسة، وكتاب محمود الناطور الموسوعي عن تاريخ الحركة بما اجمالييه 1350 صفحة بسفرين من القطع الكبير، وهو المعنون: حركة فتح بين المقاومة والاغتيالات، لما حفلت به هذه الكتب وغيرها من أمثلة وروايات وتوثيق ضروري لكل طالب علم ينتهج فهم الثورة وديمومتها وفلسطين وإزهارها الدائم في قلوبنا، ولكل طالب يبتغي خوض صراعه الداخلي لينتصر.

لقد أقيم صرحٌ ما كان له أن يشمخ لولا الوعي والروح الوثابة للختيار وصحبه، ومن تبعوهم بإحسان، وهو الذي غلّف الصراع الداخلي، والنضال الفلسطيني بالهوية النضالية الجامعة لكل الفلسطينيين والعرب والعالم من حيث جوهرية ومركزية وأصالة فلسطين التي لن تكون إلا هي وهي فقط عامل الفرز في المحيط العربي ومقياس إنسانية الداعين للمباديء وللقيم التقدمية في العالم كلّه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى