يعود السودان إلى المجتمع الدولي إذا تخلص من الإخوان
فاروق يوسف

ينظر السودان بأمل إلى أن تقوم الولايات المتحدة بشطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ولكن صلة السودان بالارهاب لا تستقيم في ظل المعطيات الواقعية التي يعيشها بلد فقير، ضاعت موارده وسط سيل من الخلافات السياسية فيما تميز أهله بالتسامح وعدم الميل إلى العنف.

وليس في وصف الواقع ما يعيننا على معرفة الحقيقية.

لقد تم استضعاف الدولة من داخلها تدريجيا. ذلك يعيدنا إلى انقلاب جعفر النميري عام 1969 وصعود العسكر وانهاء الدولة المدنية. غير أن ذلك لم يكن نهاية المطاف.

فالنميري في مواجهة القوى اليسارية قرر أن يتجه إلى الإسلاميين الذين لم يستلموا الحكم مباشرة بعد سقوطه عام 1985 غير أن هيمنتهم على الشارع كانت تتيح لهم سلطة لا يمكن الاستهانة بها.

ذلك ما جعل عمر البشير، العسكري الآخر، يراهن على شعبية لا يملكها من خلال تحالفه مع الإسلاميين وعلى رأسهم معلمه حسن الترابي الذي انقلب عليه في ما بعد.

جرت تلك الوقائع على السطح فيما كان تنظيم الاخوان يتسلل إلى أعماق الدولة ليحول مؤسساتها إلى سلسلة من أوكاره، لم يكن البشير، مهما اتسعت دائرة نشاط أجهزته الأمنية قادرا على احتوائها واعادتها إلى الطريق الذي يمكنه من خلالها أن يستعيد سلطته كلها.

من وجهة نظري أن البشير وهو متواضع الخبرة في إدارة الدولة والسياسة الدولية قد تم استدراجه من قبل تنظيم الإخوان إلى الموقع الذي سيكون عاجزا عن الخروج منه بعد أن أوحي إليه أن قوى اليسار تسعى إلى الاطاحة به. وكان دور حسن الترابي ودولة عربية ضاغطا في تلك المسألة.

ولكن لماذا اختار تنظيم الاخوان السودان مقرا لجماعاته الارهابية التي بدت كما لو أنها غادرته ولم تعد تحت سيطرته؟

قرر التنظيم بعد تمكنه من الدولة أن يجعل منها دولة منسية. وهو ما حدث فعلا بعد فرض العقوبات الاميركية بسبب تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام ذهب السودان إلى منفاه.

لقد أقر بنفسه يومها أنه دولة ترعى الارهابيين. وهو ما أضاع منه فرصة أن يتعاون مع المجتمع الدولي ليتخلص من تنظيم الإخوان الذي نخر الدولة من الداخل وجعلها تابعة له بالرغم من أن البشير كان مدهشا في استعراضاته وهو يتحدى المجتمع الدولي.

تلك الدولة المنسية انتهى رئيسها إلى أن يكون مطلوبا لمحكمة الجنايات الدولية باعتباره مجرم حرب وستلحق بقائمة الدول التي ترعى الارهاب من غير أن تكون قادرة على إطعام شعبها.

وكما أرى فإن رفع العقوبات الأميركية والشطب من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتسليم البشير إلى العدالة الدولية كلها ستكون اجراءات ناقصة مالم يتم الاقتصاص من بقية المجرمين الذين دفعوا بالسودان في عهدي النميري والبشير إلى الإنزلاق إلى هاوية القتل الجماعي باسم الدين.

محاكمة البشير دوليا ينبغي أن لا تكون خاصة به، بما فعله وما لم يفعله. يجب أن تكون تلك المحاكمة مناسبة للانتقال من الواقع المختلف عليه إلى الحقيقة التاريخية الثابتة.

تلك فرصة لكي يستعيد السودان ثقته بنفسه وبالمجتمع الدولي.

ينبغي أن تتحرر الدولة من الإسلاميين قبل أن يُقال أن هناك سودانا جديدا هو القادر على أن يكون جزءا من المجتمع الدولي.

على العدالة أن تساعد السودانيين في التحرر من الارهاب المقيم في نقاط خفية من دولتهم قبل أن تتخذ اجراء شكليا لن يكون ذا قيمة إذا استمر الاسلاميون في الهيمنة على الدولة.

حرية السودان لا تتجزأ.

لذلك فإن عودته إلى المجتمع الدولي ينبغي أن تبدأ بتخليصه من كل شوائب الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى