يمثل اللاعبون في المونديال الشعوب أم الحكومات؟
سامر احمد

راجت طرفة تخلط الرياضة بالسياسة، خلال مباريات الدور الأول من مونديال قطر 2022 التي التقى فيها منتخبا إيران والولايات المتحدة ضمن منافسات المجموعة الثانية، وانتهت إلى فوز الفريق الأميركي، تقول إنّ هذه المباراة تمثل المرة الأولى التي تلتقي فيها أميركا وإيران خارج العراق، في إشارة إلى تداعيات احتلال الولايات المتحدة العراق عام 2003، الذي أفضى إلى تنافس واشنطن وطهران على النفوذ السياسي فيها منذ ذلك الحين.
دع عنك أنّ تلك الطرفة بذاتها تمثل مغالطة تاريخية، إذ سبق لفريقي الولايات المتحدة وإيران أن تقابلا خلال مونديال فرنسا 1998، ويومها فاز الفريق الإيراني بهدفين مقابل هدف واحد، إلّا أن المشكلة الحقيقية المسكوت عنها في تلك الطرفة أنّها تعتبر الفرق الرياضية المشاركة في كأس العالم ممثلة للأنظمة والحكومات، وتعكس صراعاتها السياسية.
للمصادفة المدهشة أن الفريق الإيراني نفسه، ومعه جمهوره الذي زحف خلفه إلى ملاعب قطر، وفّرا لنا فهماً مغايراً لهوية من تمثله الفرق الرياضية، فقد جهر منتخب إيران بمعارضة حكومته، وتضامنه مع شعب بلاده الذي ما زالت قطاعات منه تخرج في تظاهرات احتجاجية ضد تردّي الحريات في بلادهم منذ مقتل الفتاة الإيرانية الكردية مهسا أميني على يد “شرطة الأخلاق”، على خلفية عدم التزامها الحجاب بطريقة سليمة من وجهة نظر النظام. وكان ذلك حين امتنع لاعبو المنتخب الإيراني، على غير العادة، عن أداء النشيد الوطني قبيل بدء مباراتهم الأولى في المونديال، وفسروا ذلك علناً، بحسب مصادر إعلامية، بأنه يعبّر عن انحيازهم إلى صف الشعب… كذلك فعل الجمهور الإيراني على مدرّجات ملاعب المونديال، حين رفع اسم الفتاة الضحية، وعبر مشجعون إيرانيون عن حزنهم على وفاتها، بشكل يعكس معارضتهم سلوك حكومتهم في ملف الحريات العامة في بلادهم.

ما يجري حالياً من جمهور المتابعين للمباريات افتراض أن تلك الفرق تمثل حكوماتها، حتى يثبت العكس

يدفع هذا الموقف إلى التفكير بما إذا من المقبول تحميل الفرق الرياضية عبء التصرّفات السياسية لحكومات بلادها، بما في ذلك الفرق التي تمثل دولاً استعمارية سابقة عانت منها دول العالم الثالث كثيراً، بما فيها دولنا العربية؛ مثل إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا، أو تمثل دولاً تتخذ مواقف سياسية معادية لحقوق الشعوب الأخرى، ومنها شعوبنا العربية، مثل الولايات المتحدة. ربما يصحّ القول إن ذلك غير جائز من حيث المبدأ، ما لم يعبّر أعضاء تلك الفرق ولاعبوها عن مواقف سياسية معادية لبلادنا وحقوقنا، أو مواقف تتوجّه إلينا بنظرة استعلائية وسلوك فوقي، لأنّ ما يجري حالياً من جمهور المتابعين للمباريات هو افتراض أن تلك الفرق تمثل حكوماتها، حتى يثبت العكس. وما يجب أن يعزّز تلك الفرضية أنّ معظم تلك الفرق، بل كلها، تضم في صفوفها مهاجرين أفارقة وعرباً حملوا جنسياتها ويدافعون عن ألوانها ويلعبون تحت رايتها، وهؤلاء المهاجرون يعبّرون أحياناً عن مواقف سياسية وأخلاقية عبر حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، مخالفة لما درجت عليه حكومات بلادهم.
يمكننا أن نذكر، على سبيل المثال، لاعب منتخب بلجيكا المشارك في مونديال قطر، إيدن هازارد، الذي سبق أن انضم لحملة رياضية دولية عارضت منح الكيان الصهيوني فرصة تنظيم كأس أوروبا للشباب عام 2013، باعتبار “السماح لإسرائيل باستضافة البطولة سيُعتبر مكافأة على الأعمال التي تتعارض مع القيم الرياضية” كما قال منظموها يومها. كذلك المواقف المتتالية التي كان يعلنها اللاعب الفرنسي الدولي السابق، إيريك كانتونا، في دعم القضية الفلسطينية، ومنها ظهوره في أثناء الاعتداءات على حي الشيح جرّاح  في القدس خلال عام 2021، عبر حسابه على تطبيق الصور، إنستغرام، مرتدياً قميصاً كُتب عليه “الأمل لفلسطين”، داعياً إلى تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني

الخلاف مع الفريق الألماني لم يكن في موقفه من قضية المثليين وحسب، بل أيضاً في طريقته المعانِدة التي تعبّر عن تفكير استعلائي يفتقر إلى التهذيب

في هذا السياق، يمكن أن نلتفت إلى سلوك منتخب ألمانيا خلال مشاركته بمونديال قطر، حين أجمع أفراده على حمل مسألة الدفاع عن حقوق المثليين إلى كأس العالم لكرة القدم، وأصرّوا على جعلها قضية ذات أهمية، فظهروا قبل مباراتهم الأولى التي خسروها أمام اليابان وهم يضعون أيديهم على أفواههم، في إشارة إلى منعهم من التعبير عن رأيهم في تلك المسألة، بعد أن قرّر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) توجيه إنذار إلى كل قائد فريق يضع على ذراعه شارة دعم حقوق المثليين، فضلاً عن قرار الجهة المنظّمة عدم استقبال طائرتهم التي جاءت إلى قطر رافعة راية المثليين الملوّنة، ما اضطرّهم إلى العودة واستبدال طائرة ألمانية أخرى بها، كي يتاح لهم الوصول إلى أرض المونديال.
في هذه الحالة، بدا موقف اللاعبين مطابقاً لموقف حكومة بلادهم، فقد حضرت وزيرة داخلية ألمانيا، نانسي فيزر، إحدى المباريات، وهي تضع تلك الشارة الممنوعة، مستغلة، في ما يبدو، صفتها الدبلوماسية. وما جرى أنّ عرباً كثيرين رافضين طرح تلك القضية في بلادهم، تصدّوا لسلوك الفريق، وجهروا برغبتهم في خسارة ألمانيا مبارياتها، وخروجها سريعاً من منافسات البطولة، رغم أن لمنتخب ألمانيا لكرة القدم جمهورا عربيا واسعا، ظل عبر السنين معجباً بأدائه الكروي وطريقة لعبه وإنجازاته في بطولات كرة القدم، وأهمها فوزه بكأس العالم في أربع مناسبات سابقة.
والملاحظ أن الجمهور العربي لم يتعرّض بالنقد المباشر لفرق أوروبية أخرى معروفٌ عنها دعمها قضية المثليين، مثل بلجيكا وإنكلترا وغيرها، ذلك أنها التزمت قرار “فيفا”، وامتنعت عن طرح قضية المثليين في أثناء المونديال، ما يعني أنّ الخلاف مع الفريق الألماني لم يكن في موقفه من قضية المثليين وحسب، بل أيضاً في طريقته المعانِدة التي تعبّر عن تفكير استعلائي يفتقر إلى التهذيب. وفي مثل هذه الحالة، التي يعبر فيها الفريق الرياضي صراحة عن موقفه (الأخلاقي أو السياسي) الذي يرفضه معظم العرب أو يتعارض مع الحقوق العربية المشروعة، يكون صحيحاً تحميل لاعبيه العبء الأخلاقي الناتج عن مواقف حكومته أو سياساتها. أما ما لم يحدث ذلك، فمن المعقول أكثر التعامل مع الفريق بحيادية، إذ سيكون لاعبو الفريق، على الأغلب، أصحاب آراء متباينة، ولا يجوز عندها وضعهم على “مسطرة واحدة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى