يهود أميركا.. و”عدم الولاء”!
هاني حبيب

منذ الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية السابقة عام 2016، أعيد فتح ملف حقيقة مواقف يهود أمريكا إزاء الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي للرئاسة آنذاك بيرني ساندرز اليهودي، الذي عاد ليرشح نفسه مجدداً للانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة أواخر العام الجاري، إثر تصريحاته التي شكلت صدمة للعديد من الباحثين وأوساط من الرأي العام الأمريكي الذين سبق وأن اعتبروا أن أحد أهم مقومات وصول أي رئيس أمريكي إلى البيت الأبيض رهناً بمواقف حازمة لصالح إسرائيل وهو أمر غير قابل للنقاش حتى جاءت تصريحات ساندرز المؤيدة للفلسطينيين والداعية إلى وقف الدعم المالي للدولة العبرية واستبدالها بدعم للفلسطينيين والمنددة بسياسات الثنائي نتنياهو-ترامب، الأمر الذي أدّى إلى فتح ملف علاقة يهود أميركا بالملفات السياسية للولايات المتحدة.

إن التركيز المتعمد على اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة “إيباك” وتأثيرها على القرار الأمريكي من خلال نفوذها الواسع على الأوساط التشريعية في مجلسي النواب والشيوخ ودورها في صناعة رؤساء الولايات المتحدة، كل ذلك أدّى إلى طمس العديد من الحقائق المرتبطة بعلاقة يهود أميركا بشكلٍ عام بالرأي العام الأمريكي ومن ناحية أخرى مراقبة تحوّلات مواقفهم إزاء المؤسسات السياسية الأمريكية وعلى سبيل المثال، فبينما تحتل “إيباك” عناوين وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية فإن مجموعة اللوبي الإسرائيلية الليبرالية “جي ستريت” لا تحظي بنفس التغطية الإعلامية وبالكاد يتم الإشارة إلى فعالياتها وأنشطتها في وسائل الإعلام، هذه المجموعة، تعارض علناً ومن خلال أنشطتها ومواقفها وفعاليتها سياسة الاحتلال والضم الإسرائيلية جراء العملية الاستيطانية في فلسطين المحتلة، وتعتبر هذه المجموعة نصاً أن هذه السياسة ” غير عادلة إضافة إلى أنها تهدد الديمقراطية الإسرائيلية” وتدعو إلى توجيه التمويل نحو توسيع حقوق النساء والأقليات بدلاً من تمويل إقامة المستوطنات وتسمينها.

في آب عام 2018 اعتبر الرئيس ترامب من قبل عدة جهات يهودية أمريكية معادياً للسامية وشنت بعض وسائل الإعلام اليهودية المحلية في الولايات المتحدة حرباً شعواء ضده، وبالفعل فإنه من الغريب حقاً وصف ترامب بمعاداة السامية وهي الصفة التي تطلقها كما اليهود عموماً على كل من يناصبهم رأياً ورؤية تخالف مقاصدهم وسياساتهم، هذا الاتهام للرئيس ترامب كونه معادياً للسامية جاء اثر تصريحٍ له اتهم فيه اليهود الذين يصوتون لصالح الحزب الديمقراطي “بعديمي الوفاء والولاء”، علماً أن لمصطلح “عدم الولاء” فهماً خاصاً ودلالة لها أهميتها لدى اليهود عموماً ويهود أميركا على وجه الخصوص، منذ تم استخدام هذا المصطلح من قبل كل المعادين للسامية منذ العصور الوسطى في الممالك الأوروبية للتشكيك في ولاء الرعايا اليهود للدول الذي يعيشون فيها، لذلك فإن استخدام ترامب لنفس المصطلح “عدم الولاء” سبباً كافياً لدى يهود أميركا لاتهام ترامب بمعاداته للسامية .

تفوهات ترامب هذه ضد اليهود الذين يصوتون للحزب الديمقراطي في ظل عقد محاكمات من قبل هذا الحزب لإزاحته عن البيت الأبيض، تعود في جوهرها إلى أنه وبالعودة إلى بعض استنتاجات تصويت اليهود في المحافل والمؤسسات السياسية الأمريكية تشير إلى أن هؤلاء صوتوا لمرشحة الرئاسة الأمريكية عام 2016 لصالح هيلاري كلينتون المنافسة الرئيسية للمرشح آنذاك دونالد ترامب بنسبة تفوق 71%، وقد ارتفعت هذه النسبة بعد عامين من انتخابات الكونغرس عام 2018 إلى 79% لصالح الحزب الديمقراطي أيضاً، وهذا سبباً كافياً لدى ترامب وحاشيته لاتهام اليهود بعدم الولاء فبالنسبة له فإن الولاء لأمريكا يعني أولاً وأخيراً الولاء لترامب.

إن مصلح “عدم الولاء” الذي استخدمه ترامب ضد يهود أميركا لا يتعلق بالنسبة له بموقف هؤلاء من ولايته بل وأكثر من ذلك فإنه يتهمهم “بعدم الولاء” لإسرائيل فقد قال إثناء كلمته أمام المجلس الأمريكي – اليهودي قبل أسبوعين “إن بعض اليهود الأمريكيين لا يحبون إسرائيل بما فيه الكفاية” وهو الأمر الذي يتردد حتى قادة إسرائيل أنفسهم من توجيه مثل هذا الاتهام لهم.

إن قراءة متفحصة لطبيعة العلاقات بين يهود أميركا والمؤسسة السياسية الأمريكية تتطلب عدم الخضوع لمواقف مسبقة أو انتقائية، والسياسات التي كانت صحيحة في يومٍ من الأيام فيما يتعلق بعلاقة يهود أميركا بدولتهم كما بإسرائيل قد تغيرت وفقاً لجملة من المعطيات وإن عدم الوقوف على مجمل التحولات في المجتمع الأمريكي عموماً ويهود أميركا على وجه الخصوص يدفعنا إلى قراءة خاطئة لتأثير هذه التحولات في المجتمع الأمريكي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى