أولاً، لا بد من تقديم التهنئة لحركة الشبيبة الفتحاوية في الضفة الغربية على نجاح مؤتمرها العام الأخير؛ فهذا الحدث يمثل إنجازًا مهمًا يحسب لها، ويعكس رغبة حقيقية في صناعة جيل واعٍ ومثقف، يتقدم بوعي وطني متماسك، وقادر على حمل الراية في المراحل المقبلة.
وقد جاءت هذه الدورة بمستوى عالي من الاهتمام الرسمي غير المسبوق، إلى درجة أنها عُقدت في مقر المقاطعة، وهو أمر—برغم تحفظي عليه—يدل على مكانة الشبيبة وأهمية دورها. فالمقاطعة هي مقر القيادة السياسية ورمز الشرعية، وليست بطبيعتها ساحة للاجتماعات التنظيمية الداخلية.
ومع ذلك، يبقى المهم أن المؤتمر انعقد، ويجب أن يتحول من واقعة احتفالية إلى برنامج فكري وعملي واضح يعيد للشبيبة روحها الأصيلة ودورها الوطني الطبيعي.
ما لا نريده هو أن يتحول المشهد إلى احتفال عابر من نوع “فِكّ العُرس يا مطبلين”، ثم يعود كل طرف إلى مكانه وانعزاله، وكأن شيئًا لم يحدث. فالمؤتمرات ليست صورًا، بل رؤية تُترجم إلى رسالة، ورسالة تتحول إلى فعل، وفعل يتراكم ليصنع قادة حقيقيين، وانجازات نافعة للوطن والشعب.
جذور الحكاية: حين كانت الشبيبة شريان الوعي الأول
في البدايات، حين انطلقت حركة الشبيبة الفتحاوية، كان لي شرف الحضور والمشاركة في أول نواة لها داخل الجامعة الإسلامية، لم أكن قائدًا من قياداتها، بل عضوًا فاعلًا في مجموعة التأسيس الاولى حين تم تكليف الأخ مصطفى أبو غولة أمينًا للسر، ومعه نخبة من الأخوة والأخوات، أمتنع عن ذكر أسمائهم لانه لا يمكن حصر الجميع وحتى لا أغفل أحدًا.
كان الأخ أبو علي شاهين يتابع التجربة ميدانيًا بكل تفاصيلها، مع الاخوة ابو العلاء أسعد الصفطاوي، وابوظافر محمود أبو مذكور، وابو اياد عبدالله أبو سمهدانة ، وابو عمار زكريا الأغا، وابو سليمان زياد شعث، وابو همام احمد اليازجي ، وابو احمد فريج الخيري وغيرهم من القيادات التنظيمية والنقابية التي كانت تتحرك في كل أقاليم القطاع بعزيمة استثنائية.
لم تكن الشبيبة مشروعًا طلابيًا فقط؛ بل امتدت إلى الأحياء والمدارس والنوادي والأعمال الاجتماعية التطوعية. كنا ننظف الشوارع، ونرمم المؤسسات، ونعمل لخدمة المجتمع دون انتظار مقابل. حتى إن المخابرات الإسرائيلية كانت عندما تستدعينا للتحقيق، وتسألنا عن نشاطنا فيكون جوابنا ببساطة: “نقوم بعمل تطوعي… نكنس الشوارع وننظف المدينة”.
كانت الشبيبة أول عمل سياسي–نضالي–نقابي علني لفتح في قطاع غزة، بعد سنوات من العمل المسلح السري.
لقد بدأ التنسيق مبكرًا بين شبيبة غزة والضفة: في جامعة بيرزيت والنجاح ومعهد الطيرة وشبيبة الجامعة الإسلامية. الفعاليات كانت موحدة، والزيارات متبادلة، والمنشورات تنتقل سرًا بين شطرَي الوطن. أما السجون فكانت شريكًا كاملاً في صناعة الوعي، ترسل لنا المواد والدراسات على شكل كابسولات عبر المحامين والمعتقلين المفرج عنهم، فننسخها يدويًا، ونتداول محتواها ونناقش مضامينها في الجلسات التنظيمية، ونتعلم منها ونطور خطابنا واسلوب مناظراتنا.
وكانت القواعد المسلكية الثورية هي الأساس الذي يحمينا من السقوط ويجذب الجماهير إلينا، حتى ترسخ في وعينا قولٌ لطالما تردد في الجلسات التنظيمية: الساقط أخلاقيًا… ساقط امنياً ووطنيًا.
هذا النشاط الذي أحدثته الشبيبة أربك الاحتلال، وأربك القوى الدينية، بل وحتى اليسار الذي سبقنا إلى المؤسسات والعمل النقابي. فعدّل الاحتلال لوائح الاتهام، واعتبر الكتلة الوطنية تنظيمًا محظورًا، وأبعد أبو علي شاهين إلى الدهنية ثم إلى الخارج، واعتقل مصطفى أبو غولة، وزكريا التلمس، وهاني أبو زيد، ونادر القيشاوي، ومحمد دحلان، والرفيق سعدي عمار، وعدلي اليازوري، وغيرهم ممن خاضوا أول انتخابات علنية لتمثيل الكتلة الوطنية في انتخاب مجلس الطلبة في الجامعة الإسلامية بتحالف وطني واسع، وبعدها ابعد الاخ محمد دحلان ، وجمال ابو حبل ، واحمد نصر، وعبدالله ابو سمهدانة وعبد المنعم ابو عطايا، وجميعهم كانوا قيادات تشرف على انشطة الشبيبة، وفرض الاعتقال الاداري والاقامة الجبرية على العديد من القيادات منهم الاخ سامي ابو سمهدانه، وابو ظافر محمود ابو مذكور، وكامل زعرب، وتوفيق ابو خوصة وايهاب الاشقر ..الخ
أما المجمع الإسلامي، فشعر بأن هذا المد يشكل تهديدًا مباشرًا لسيطرته، فاتخذ قرار المواجهة. وكانت البداية بمنع رئيس الجامعة الإسلامية د. رياض الأغا من دخول الجامعة بسبب قربه من فتح وأبو علي شاهين، فتم استقدام د. محمد صقر من الأردن رئيسًا للجامعة بقرار خارجي، ورافقه مجموعة من الكوادر الاكاديمية الإخوانية لتولي العمادات. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجامعة تُدار فعليًا من جورة الشمس مقر المجمع الاسلامي بغزة ، وبدأت الاعتداءات المنظمة على الشبيبة واليسار بإشراف ميداني مباشر من قياداتهم.
الانتفاضة: حين كانت الشبيبة رأس الحربة في قيادتها
مع اندلاع الانتفاضة الأولى، تقدمت الشبيبة الصفوف: طلابًا وأسرى وقيادات نقابية. وساهمت في صياغة القيادة الوطنية الموحدة. وكان كلما اعتقل أو استشهد أو أبعد قائد، تقدم آخر مكانه.
كان أبناء الشبيبة في قلب المواجهة، حتى قال الإعلام الإسرائيلي في الثمانينيات إن معظم المعتقلين الذين يُعرضون على المحاكم العسكرية هم من كوادر وصفوف الشبيبة. وقدمت الشبيبة الشهداء: شرف الطيبي، وموسى مخيمر، وصائب دهب، وكان الشهيد الأول في الانتفاضة حاتم السيسي وعطوة أبو سمهدانة، من ابناء الشبيبة ، ثم شكلت من اركان وصفوف الشبيبة مجموعات الفهد الأسود وصقور فتح الذين شكلوا القوة الضاربة في الانتفاضة الاولى.
مرحلة السلطة: حين دخلت المغانم إلى الحكاية
مع قدوم السلطة، توزعت مصائر كوادر الشبيبة بين الاستشهاد والهجرة والاستمرار او التنحي جانباً. وامتزجت القيادات العائدة بالقيادات المحلية، وتوزعت المواقع والمكاسب، وكان النصيب الأكبر للقادمين من الساحات الخارجية.
دخلت المغانم إلى المشهد، وتراجع دور المغارم، واتسعت دائرة التفريغات، وتراجعت حلقات التثقيف، وحلّت الترضيات محل البناء التنظيمي، وتسربت الأجهزة الأمنية إلى الكتل الطلابية، فتحول بعض الكادر إلى أذرع لهذه الجهة أو تلك، فانفرط عقد التجربة الأولى.
وكانت الشبيبة ولا تزال معول نجاح كل الفعاليات الفتحاوية والوطنية لما لها قدرة عالية في الاقتراب والانتشار وحشد الجماهير
ان العديد من كوادر الشبيبة طوروا انفسهم وعادوا الى مقاعد الدراسة وحصلوا على مؤهلات علمية في كافة المجالات، وبعد انقلاب حماس واستيلائها على قطاع غزة استغلت قيادات وكوادر الشبيبة حالة الفراغ والتشتت واكملوا دراساتهم العليا وحصلوا على درجات علمية متقدمة الماجستير والدكتوراه ، ومنهم الان كوادر اكاديمية وادارية في العديد من الجامعات الفلسطينية .
إن الشبيبة تحتاج اليوم إلى مشروع جديد يقوم على:
• صياغة رؤية ورسالة واضحة ومعلنة، منسجمة مع رؤية حركة فتح، التي هي نفسها تحتاج إلى تجديد.
• بناء برامج تعبئة وتثقيف محدثة ومستمرة بما يتناسب مع المتغيرات السياسية الداخلية والدولية.
• تأهيل كوادرها ليكونوا قادة المستقبل: رواد فكر وصناع رأي عام ، ونواب في المجلس التشريعي ، ووزراء، سفراء، قادة مؤسسات.
ان استعادة الدور التاريخي للشبيبة لا يكون بالاحتفال بالمؤتمرات، ولا بالصور الجماعية فقط، بل بالعودة إلى جوهر التجربة الأولى:
الوعي… والانتماء… والمسلكية… والعمل التطوعي، والانجاز الذي يحسن جودة حياة المجتمع … وبالإيمان أن الوطن يُبنى بالعرق لا بالمغانم.
هذه هي البوصلة…
وهذا هو الامتحان الحقيقي…
فهل تمتلك الشبيبة القدرة على العودة إلى ذاتها الأولى؟
الجواب يبدأ حيث تنتهي الاحتفالات… وحيث يبدأ العمل.





