انشقاقات حماس: مسار طبيعي لأيديولوجيتها الإخوانية

حميد قرمان

لطالما حاولت حماس، كتنظيم سياسي ومنشأة اقتصادية، طمس خلافات أعضائها، وحرف المسلك الصدامي المسلح بين تياراتها بتصدير سردية إعلامية لأنصارها ومؤيديها مغايرة للحقيقة، في إنكار سياسي يُدفع به لتصدير حماس دائما بمظهر الموحدة على برنامج جامع للتسلسل الهرمي التنظيمي للحركة من أعلاها إلى قواعدها الشعبية الجماهيرية.

عبر تاريخ الحركات والجماعات التي خرجت من رحم تنظيم الإخوان المسلمين، كان القاسم المشترك بينها هو توالي الانشقاقات في أجسامها، وانشطارها إلى تشكيلات تنظيمية تحمل أفكارا أكثر تشددا وتطرفا عن الفكر الأم لها. ولعل مسار التجربة الجهادية التي نشأت في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، والتي تحولت إلى حرب أهلية وصراع على السلطة في التسعينات من ذات القرن، يؤكد فرضية انشطار الأيديولوجية الفكرية المكونة لهذه الجماعات إلى حركات أكثر غلوا وانغلاقا، ولعل القاعدة وما انبثق عنها من تنظيم داعش المثال الأبرز على ذلك.

واليوم تقف طالبان، خاصة بعد عودتها إلى السلطة، أمام تكرار فرضية انشطار جسدها التنظيمي، في اشتداد للخلافات بين أجنحتها العاجزة عن التوافق حول معالجة أو احتواء هذه الخلافات، في تهديد حقيقي قد يتحول إلى أزمة وجودية تهدد استمرار حكمها.

 

وبالانتقال إلى حماس، والمشهد الداخلي ونزاع تياراتها في توصيف ومراجعة الموقف من السابع من أكتوبر، والذي ظهر من خلال تصريحات رئيس المكتب السياسي للحركة الأسبق، وعضو مكتبها السياسي حاليا، موسى أبومرزوق لصحيفة أميركية، حول معارضته لهجوم الحركة على دولة الاحتلال وما تضمنه من اختراق حدودها وخطف رهائن إسرائيليين، والتداعيات الكارثية لذلك الهجوم على قطاع غزة وسكانه، وانفتاح حماس على مناقشة سلاحها في القطاع.

سياق تصريح موسى أبومرزوق يأتي في ظل اشتداد التنافس بين تيارات الحركة وأجنحتها على قيادة سير قنوات الاتصال مع الإدارة الأميركية برعاية قطرية، في محاولة لإيجاد مساق سياسي يُبقي الحركة في المشهد السياسي الفلسطيني للالتفاف على تحركات وخطط دولية وإقليمية عربية تسعى لتجاوز الحركة في مستقبل قطاع غزة.

منذ تصريح وزير خارجية تركيا هاكان فيدان، والذي أعلن فيه نية حماس التحول إلى حزب سياسي منزوع السلاح، ومن ثم اغتيال رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية في طهران، بدأت تيارات الحركة الموالية لإيران (التيار المتشدد) وتركيا (التيار الإخواني) في التصارع حول المرشح الذي سيخلف هنية، وبدأت الأسماء وبدأت السيناريوهات لاختيار رئيس جديد لمكتب الحركة.

ليتفق التيّاران على اختيار يحيى السنوار رئيسا للحركة، ليكون قربانا تقدمه حماس الخارج لإسرائيل التي وضعت اغتياله منذ اليوم الأول على أجندة حربها على قطاع غزة. ومرت الأيام والأسابيع وأُعلن عن اغتيال يحيى السنوار، الذي ما زالت تفاصيل عملية مقتله غامضة ومتناقضة ومنقوصة السردية، ليتحقق هدف تيارات حماس الخارج بإضعاف تيار حماس غزة، وليعود الصراع حول رئيس المكتب السياسي الجديد ليتصدر المشهد الداخلي للحركة، ليتم تشكيل قيادة جماعية لحماس مكونة من خمسة أعضاء برئاسة محمد درويش وعضوية خالد مشعل، ونائب رئيس المكتب السياسي خليل الحية، ورئيس إقليم الضفة الغربية زاهر جبارين، وأمين سر الحركة نزار عوض الله.

مجلس قيادة حماس المشكل عقب اغتيال يحيى السنوار، يعكس تيارات حماس والخلافات التي بدأت تخرج عن نطاق الاحتفاظ بوحدة صفها وتماسكها الداخلي، فالتوترات ليست فقط حول الاتفاق على اختيار مرشح واحد ليكون رئيسا للحركة، بل تجاوزت أبعد من ذلك بعدم التوافق على التوجهات والسياسات العامة لها.

التيار الإخواني الذي يدور في فلك أنقرة، تيار براغماتي، يسعى للتماهي مع الرؤية التركية في تحول دراماتيكي لإنقاذ مستقبل الحركة، الذي سينعكس على تماسك التنظيم الدولي للجماعة الأم وبقائه وشعبيته ومكانته. في المقابل، يرغب التيار الإيراني؛ التيار المتشدد، البقاء في فلك طهران ومحورها، والبناء على رهانات تسوية شاملة بين النظام الإيراني والإدارة الأميركية، في تأمين مستقبل الحركة في قطاع غزة.

رئاسة الحركة، والاصطفافات السياسية الإقليمية، وترويض تيار غزة خاصة الجناح العسكري، والتنافس لتقديم أوراق اعتماد لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كلها ملفات كفيلة أن تؤدي إلى انشقاقات داخل حماس، والتي تحاول دولة قطر جاهدة إظهارها عبر أذرعها الإعلامية بمظهر الوحدة والقوة، لإبقائها ورقة عبور سياسي نحو الإدارات ومؤسسات القرار الأميركية.

من قبل السابع من أكتوبر وبعده، تناولت بسلسلة مقالات عبر صحيفة “العرب”، تاريخ الخلافات بين تيارات حماس بل تنبأت من خلال معطيات سياسية بحتمية الصراع والصدام بين هذه التيارات، وهو ما حدا بالقيادي في الحركة غازي حمد للخروج بتصريح ينفي وجود تيارات داخلها، مع الإقرار بوجود خلافات داخلية بشأن عدد من القضايا، والتي عبّر عنها الكثير من قيادات الحركة وعناصرها.

التباينات بين تيارات حماس لم تعد تحتمل أن تبقى داخل أروقة النظام القطري أو تمويهها عبر ذراعها الإعلامي (قناة الجزيرة)، فالصراع محتدم.. والانشقاقات حتمية بين هذه التيارات، وإن لم تأخذ شكل الصدام العسكري بين قياداتها، لكنها أصبحت حقيقة واقعة لا محالة تنعكس على القرارات السياسية والعسكرية للحركة وتحالفاتها بالعموم.

فالتخبط السياسي أصبح سمة التفكير الإستراتيجي للحركة، والتناقض في علاقات الحركة وتحالفاتها؛ والتي تجمع بين أنظمة سياسية لها أهداف وأجندات سياسية مختلفة، يؤكد أن حماس ليست حركة فلسطينية تخدم قضية شعبها الساعي لإثبات كينونته السياسية بالتحرر من براثن الاحتلال وإقامة دولته المستقلة، بل هي مجموعة مرتزقة تجمعهم الأموال والتجارة والأيديولوجيات البالية.

عن العرب اللندنية

تابعنا عبر: