في لحظةٍ يبدو فيها العالم متواطئًا بالصمت، أو فاعلًا بالتجاهل، أمام جرائم لا تُحصى تُرتكب باسم المصالح والنفوذ والسيادة، لا أتردّد في أن أقول لهذا العالم المتهاوي أخلاقيًا:
أنت كالحٌ ومُظلِم، وأمامك ما هو أشدّ ظلامًا.
هذا الحُكم الأخلاقي ليس وليدَ انفعالٍ لحظي، بل هو تعبيرٌ عن وعيٍ مأزومٍ في حضارةٍ بلغت ذروتها التقنية، وسقطت إلى حضيضها الأخلاقي. لقد رأى تيودور أدورنو، في كتابه «الدلالة الأخلاقية لما بعد أوشفيتز»، أنّ مجرد استمرار الحياة بعد تلك المجازر يقتضي مراجعةً كاملةً لمفهوم الحضارة، لأنّ الحداثة التي أنتجت معسكرات الموت لا يمكن الوثوق بها بوصفها أداةً للتحرر، من دون نقدٍ جذريٍّ لعقلانيتها الأداتية.
إنّ العالم الذي يُبرّر القتل تحت ذريعة الأمن، ويغضّ الطرف عن الإبادة متى وافقت مصالح الكبار، إنّما يُشيّد مؤسساته على ركام الضمير. و«أشدّ الظلام» الذي ينتظره هو ما حذّرت منه الفيلسوفة الألمانية حنّا أرندت حين كتبت عن «تفاهة الشرّ»، فالشرّ في عالمنا لم يعد وحشًا استثنائيًا، بل أصبح وظيفةً بيروقراطيةً يمارسها الأفراد وهم يظنون أنّهم ينفّذون الأوامر.
كيف نواجه هذا الظلام إذن؟
لا يكون ذلك بالسكوت أو التبرير، بل بإعادة إحياء الضمير الكوني؛ ذاك الذي حلم به إيمانويل كانط حين تحدّث عن «السلام الدائم» بوصفه مشروعًا أخلاقيًا للعقل الإنساني. لكنّ ذلك لا يتمّ إلا بالخروج من حالة «القصور العقلي» التي تجعلنا نخاف من استعمال عقولنا، كما يقول في مقالته الشهيرة: «ما التنوير؟».
وقد عبّر جان بول سارتر عن هذا التواطؤ القاتل حين رفض أن يكون المثقف محايدًا، لأنّ «الحياد في وجه الظلم انحيازٌ للمجرم». أمّا فرانز فانون، فقد كشف البنية الاستعمارية للعقل الغربي الذي لا يرى عنفَه إلا دفاعًا عن «التمدّن»، بينما يُشيطن غضب الضحية بوصفه «إرهابًا».
إنّ الظلام الحقيقي ليس فقط في مشهد الجثث المتناثرة، بل في صمت العقول وتجمّد الضمائر. نحن نعيش عصرًا انقلبت فيه القيم، فصار من يُطالب بالعدالة متَّهَمًا، ومن يدافع عن الجلّاد يُحتفى به باسم الواقعية السياسية.
إنّ إدانة هذا العالم ليست عجزًا عن الفعل، بل هي تمهيدٌ لفعلٍ جديد؛ فعلٍ يستدعي نقدًا جذريًا للمنظومات الأخلاقية والسياسية والاقتصادية التي صارت قادرةً على تبرير الكارثة.
علينا أن نستعيد ما دعاه فريدريك نيتشه بـ«إعادة تقييم القيم»، لا بمعنى الإطاحة بالمبادئ، بل ببعثها من رماد التواطؤ. فلا بدّ من فكرٍ لا يخاف من تسمية الجريمة جريمة، ولا يتورّع عن القول:
أيها العالم، أنت مُظلِم، وأمامك ما هو أشدّ ظلامًا، ما لم توقظ ضميرك الغافي، قبل أن يصبح الصمت جريمة، وتغدو الكلمات قبرًا للحق.








