1.5 مليون ضحية.. هكذا أبيد ثلثا الشعب الأرميني

السياسي – مطلع القرن العشرين، مثّل الأرمن أقلية مسيحية بالدولة العثمانية، حيث لم يتجاوز عددهم مليوني ساكن مقارنة بعدد سكان السلطنة والبالغ عددهم حوالي 36 مليون نسمة.

وقد انتشر الأرمن حينها بكثافة بالقوقاز وقيليقية وتواجدوا بشكل متفاوت بالأراضي التاريخية لأرمينيا الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط وبحز قزوين.

فضلا عن ذلك، استقر العنصر الأرميني بكبرى المدن العثمانية وأهمها حيث لم تخلُ العاصمة القسطنطينية والقدس ومدن لبنان الحالية منهم وعلى حسب العديد من المصادر التاريخية تميّز الأرمن المقيمون بهذه المدن بأعمالهم التجارية.

منذ نهاية الحرب العثمانية الروسية سنة 1878 وهزيمة الأتراك على يد الروس، وجّه القادة العثمانيون أصابع الاتهام للأرمن محمّلينهم المسؤولية عن هذه الهزيمة حيث اتهم السكان الأرمينيون المقيمون بالأراضي العثمانية بالتآمر على الدولة ومساندة الإمبراطورية الروسية لتبدأ على إثر ذلك عمليات قمع الأرمن والتي بلغت ذروتها ما بين عامي 1894 و1896 ضمن ما عرف بالمجازر الحميدية، نسبة للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، والتي أسفرت عن مقتل نحو 250000 أرميني وأثارت غضب القوى العظمى.

سنة 1908، بارك الأرمن ثورة الأتراك الشباب أملا في إنهاء ويلات نظام السلطان عبد الحميد الثاني الذي استمر لأكثر من 30 عاما والحصول على جانب من الحقوق لكن مرة أخرى جاءت النتائج مخيبة للآمال فخلال شهر نيسان/أبريل 1909 تعرض الأرمن المقيمون بقيليقية لأعمال عنف ممنهجة تزعّمها النظام الجديد بقيادة حركة الشباب الأتراك القومية، أو كما تعرف أيضا بحركة تركيا الفتاة، التي كانت تؤمن بتفوق العنصر التركي وأسفرت عن مقتل حوالي 30000 شخص.

سنة 1914، دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب قوى الإمبراطوريات الوسطى التي ضمت كل من الإمبراطورية الألمانية وإمبراطورية النمسا المجر.

ومنذ البداية، تلقى العثمانيون هزيمة قاسية خلال معركة ساريقاميش (Battle of Sarikamish) ما بين شهري كانون الأول/ديسمبر 1914 وكانون الثاني/يناير 1915.

فعلى الرغم من تفوقه العددي، أجبر وزير الحربية أنور باشا على التقهقر أمام الروس بسبب خسارته لعشرات آلاف الجنود. ولتبرير هذه الهزيمة حمّل أنور باشا الأرمن المسؤولية متهما إياهم بالتعاطف مع الروس ليبدأ الجنود العثمانيون على إثر ذلك بممارسة أعمال انتقامية ضد المسيحيين تزامنا مع انسحابهم.

ومن جهة ثانية، اتجهت الدولة العثمانية لمعاقبة الجنود الأرمينيين العاملين لصالحها على الرغم من مردودهم الجيد أثناء المعارك. وبناء على أوامر أنور باشا، جرّد نحو 120000 جندي أرميني بالجيش العثماني من أسلحتهم خلال شهر شباط/فبراير 1915 وأوكلت إليهم مهام ثانوية قبل أن يعدموا أثناء الأشهر التالية تزامنا مع بداية عملية إبادة الأرمن.

على حسب أغلب المؤرخين، يعود تاريخ بداية إبادة الأرمن ليوم السبت 24 نيسان/أبريل 1915. فخلال ذلك اليوم، اعتقلت السلطات العثمانية 650 فردا من الشخصيات الأرمينية المرموقة والمثقفة بالعاصمة القسطنطينية قبل أن تنقلهم نحو شرق البلاد لإعدامهم في وقت لاحق.

في الأثناء، يصنّف وزير الداخلية العثماني طلعت باشا كقائد إبادة الأرمن حيث لعب الأخير الدور الأبرز في وضع برنامجها الذي قام أساسا على عمليات اعتقال وإعدام، سواء رميا بالرصاص أو عن طريق الأشغال الشاقة والمنهكة بمراكز العمل القسري، جميع الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و45 سنة إضافة للنخبة المثقفة والرموز القومية بمرحلة أولى وتهجير النساء والأطفال وكبار السن في ظروف قاسية نحو الصحراء السورية بمرحلة ثانية.

كانت مناطق موش وأرضروم وسيواس وميزري من أكثر المناطق تضررا من الإبادة فبينما اعتقل بعض الأرمن وأعدموا على عين المكان نقل البقية سواء عبر عربات القطار أو مشيا على الأقدام ضمن ما عرف بمسيرات الموت نحو مناطق نائية بسوريا والعراق ليلقوا حتفهم بسبب ظروف الاعتقال القاسية حيث حرمهم العثمانيون من الأكل والشرب لفترات طويلة وأجبروهم على القيام بأعمال منهكة كما تزامن كل ذلك مع عمليات اغتصاب للنساء الأرمينيات كان أبطالها الجنود الأتراك. ولتسريع عمليات التخلص من الأرمن، لم يتردد الأطباء الأتراك في استخدام طرق أخرى أكثر قسوة كتسميم الأطفال ونشر الأوبئة، مثل الحمى التيفوئيدية، في صفوف قوافل المهجّرين التي مرّت غالبا بمدينة حلب السورية قبل أن تتجه نحو وجهاتها الأخيرة.

أسفرت هذه الإبادة التي استمرت بين عامي 1915 و1923 والمصنّفة كأول إبادة شهدها القرن العشرين عن مقتل ما يقارب 1.5 مليون أرميني على يد الأتراك وهو ما قدّره البعض بنحو ثلثي الشعب الأرميني.

وخلال الفترة المعاصرة، ترفض تركيا بشكل قاطع الاعتراف بإبادة الأرمن وتسعى لممارسة ضغوط سياسية واقتصادية لمنع بقية الدول من الاعتراف بها كما تمارس تضييقا ضد الصحفيين والباحثين في هذا المجال.

وإلى حدود العام 2018، اعترفت 29 دولة بإبادة الأرمن من ضمنها سوريا ولبنان.

في خضم التعاون العسكري العثماني الألماني خلال الحرب العالمية الأولى، استنجد الأتراك بالخبرة الألمانية. وبسبب ذلك، تواجد العديد من الألمان في صفوف الجيش العثماني وشهد الكثير منهم على عمليات إبادة الأرمن. وعقب نهاية الحرب العالمية الأولى، عاد هؤلاء الجنود الألمان الذين تواجدوا في صفوف الجيش العثماني لينظموا للحزب النازي وقوات الأس أس النازية التي أشرفت على مراكز الإبادة خلال الحرب العالمية الثانية.

ويعد قسطنطين فون نويرات (Konstantin von Neurath)، وزير الخارجية الألماني ما بين عامي 1932 و1938، ورودولف هوس (Rudolf Hoess)، قائد معسكر الإبادة الجماعية بأوشفيتز ببولندا والذي شهد خلال فترة الحرب العالمية الثانية مقتل أكثر من مليون شخص بطرق مختلفة تراوحت بين غرف الغاز والتجارب الطبية والرمي بالرصاص، أهم النازيين الذين عملوا لصالح العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق