سيرة الأرجوان والحبر الثوري
بقلم مهند طلال الاخرس

#كل_يوم_كتاب

كتاب من القطع الكبير ويقع على متن ٥٠٠ صفحة يتحدث عن سيرة ومسيرة المناضل والكاتب الكبير حنا مقبل، والكتاب من اصدارات الاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين عام ٢٠١٧ في رام الله.

الكتاب يقدم سيرة الشهيد والكاتب والفدائي حنا مقبل، وهي سيرة يتقاطع فيها الخاص مع العام بشكل كبير، لدرجة ان حنا لم يكن يمنح عائلته ما تستحق من وقت ورعاية، فجل حياته كان مركزا على فتح وصحافتها، وقد يكون في ذلك الشعار الشهير “بالدم نكتب لفلسطين” ما يفسر لنا هذا الجهد وتلك المواظبة على الالتصاق بالفكرة حد الجنون.

الكتاب يبدأ بشكر اثنين لا ثالث لهما، الاول المهندس جمال ابو بكر لدوره في دعم واصدار هذا الكتاب، والثاني للخال رشاد ابو شاور لمسايرته ومواكبته لهذا العمل، ولهما منا مثل هذا الشكر واكثر، واحسن الله لهما بما فعلاه في تبييض وجوهنا يوم تسود وجوه وتبيض وجوه.
الكتاب كتب مقدمته مراد السوداني بلغة راقية تليق بمقام صاحب السيرة واسطر هذا الكتاب، وتلت المقدمة كلمة مقتضبة لسلام ابنة حنا.
يبدا الكتاب فعليا من الصفحة ١٣ بمقال مطول وجميل لرشاد ابو شاور، فيسترسل ابو شاور بذكر مناقب الراحل وخطه وسلوكه ومهنيته ووطنيته العالية.

يبدأ رشاد بالعودة الى استذكار تلك اللحظات الاولى لعلاقته ومعرفته بحنا مقبل، فيبدا مستذكرا الوجع الذي الم به نتيجة الفقدان فيقول:” هو وحيد في قبره ، وانا وحيد في الحياة ..ولذا اتذكره باستمرار، ودائما اردد: من اغتالوه قتلوا نصفي.”

مقال رشاد المطول ص ١٣-٢٩ فيه الجميل والكثير، ويرد عليه بالكثير ايضا، ولكن لان المقام لا يحتمل هذا الشطط وجب التنبيه، لا سيما ان المقال الثاني ايضا لخالد ابو خالد حمل في براثنه نفس النهج وجب التنبيه والتأكيد مرة اخرى.

على ان في شهادة الكبيرين رشاد ابو شاور وخالد ابو خالد فيها الكثير مما يقال ومما يرد عليه ويفند، ولن يحتاج القاريء النبيه لكثير من العناء لازالة هذا التناقض واللبس الوارد في الكتاب، لا سيما التناقض بين رشاد وابو خالد وبين ما يورده حنا بخط يده.

في علاقة حنا برشاد محطات من العطاء والجمال والاخلاص الثوري المنقطع النظير تستحق الوقوف عندها وقرائتها على مهل، والتبحر في طبيعة تلك العلاقات والاسس التي تقوم عليها، تلك الاسس التي كانت من علامات زمن النقاء الثوري والعطاء اللامحدود، وحتى الخلاف الجميل.

بعد الحديث عن بداية العلاقة والتي ابتدأت في عمان في اتحاد المرأة الفلسطيني في جبل الويبدة، ثم كيف توطدت العلاقة اثناء احداث ايلوا الاسود، والعمل سويا في جريدة فتح، ولا ينفك الكبير رشاد عن عاداته المحببة كالغمز واللمز، وكعادته دائما في استذكار من يحب ويخالطه الهوى وينسى عامدا من لا يخالطه الهوى وان كان صاحب الحدث والقرار.

ثم يتحدث رشاد عن فترة التقائهم في دمشق وعن العمل في جريدة فتح ، ومن ثم الانتقال لبيروت والعمل في فلسطين الثورة، ثم يتطرق الى حرب تشرين والموقف من خطاب التسوية، ثم يتحدث عن انتخاب حنا امينا عاما لاتحاد الصحفيين العرب والارهاصات والكولسات التي رافقت ذلك. ولا يفوت رشاد في الصفحة ٢١ من الحديث عن احد اهم منجزات حنا وهي مؤسسة القدس برس للخدمات الصحفية. وتحت عنوان لا بد من التذكير في ص ٢١ يشير رشاد الى طبيعة العلاقة بين حنا مقبل وابو نضال ، وكيف بدأت تلك العلاقة واسبابها، وصولا الى الاسباب التي دفعت المجرم صبري البنا ابو نضال لاغتيال حنا مقبل.

في ص ٢٣ يتحدث رشاد عن صحيفة المعركة واذاعة الثورة الفلسطينية، حيث يختم العم الحبيب رشاد الصفحة بقوله:” لا داعي للقول بأننا، حنا وانا، كنا في مقدمة الحضور، واننا كنا نكتب يوميا، ونحرص على حضور الاجتماعات رغم الحظر”.

ثم يتحدث رشاد عن فترة الانتقال لقبرص وتواصل حنا مقبل مع ابو عمار في فترة الانشقاق وحصار طرابلس وصولا الى الاغتيال في الصفحة ٢٧.

في الصفحة ٣١ تبدا شهادة الشاعر والفدائي خالد ابو خالد وتنتهي عند الصفحات ٣٦، وهي شهادة مفعمة وتغطي وتوثق مراحل زمنية هامة ومفقودة وحتى الموجود منها يعاني من تنازع وتعدد الروايات وفي احيان اخرى التزوير.

يتحدث ابو خالد عن بداية العلاقة التي نشأت في الكويت واستمرت فيما بعدها، ولا تخلوا طبعا مرحلة الكويت من بوادر الوعي المتقدم والتجارب النبيلة التي خطها كل منهما وبرفقة ناجي علوش وانتهت بترحيل حنا عن الكويت، مع الاشارة الى الاختلاف الصارخ والوارد في شهادة كل من كتب في الكتاب حول سبب الابعاد..

في الصفحة ٣٧-٤١ ورد المقال الثالث لجهاد حتر تحت عنوان محطات من مسيرة حنا مقبل النضالية ، تلك المحطات كانت حتر قد زاملته فيها من الكويت الى عمان ومسيرة العمل الصحفي اثناء احداث ايلول اضافة الى بعض كواليس انتخابات الاتحاد.

في الصفحة ٤٣ يبدا القسم الثاني من الكتاب وهو عبارة عن مختارات من كتابات حنا مقبل، وهي كتابات ذات قيمة وجودة عالية، علاوة على مضامينها السامية ولغتها الراقية واحتوائها على رأي حنا وفتح عموما من كثير من الاحداث والمنعطفات التي مرت بها الثورة.

هذه المختارات والممتدة عبر الصفحات ٤٣-٣١٥ من الكتاب تصلح مادة للبحث والدراسة للمهتمين ولطلبة الدراسات العليا، وتصلح مادة تشكل اساسا نظريا وعمليا لفهم نهج وسلوك حنا مقبل وكيفية تقديره ونظرته للامور بعيدا عن التعصب الحزبي او الفئوي او الجهوي او الطائفي.
هذه المادة تشكل ارثا غنيا يجب تسليط الضوء عليه ومحاولة اغنائه واكماله ان وجد نصوص ومقالات اخرى، واحسبها موجودة، لكن ظروف الجغرافيا السياسية على الارجح لم تسمح لهم باظهارها، مثل حوادث ايلول بالذات، ورغم ان كل من كتب في الكتاب مراد ورشاد وخالد وجهاد ،لم يتوانوا عن الغمز واللمز المحبب لدينا في فتح بالذات، لكنهم كاموا يدركوا سلفا ان فتح هي من اوجدت قانون المحبة الذي يصلح للجميع ويتسع لهم ايضا.

في المختارات مقالات كثيرة تتحدث عن الحرب الاهلية في لبنان والمحاولات الحثيثة لجر الثورة اليها ابتداء من سنة ١٩٧٦، بالاضافة الى الحديث عن مصر ومشاريع التسوية، مع بعض التطرق لاحداث ايلول بصورة الاسترجاع والاستذكار والتذكير من خلال المقالات التي تغطي الحرب الاهلية.

لم يفت حنا في هذه المقالات ان يكتب مطولا عن فتح الحزب القائد والرائد، وعن كمال ناصر وابو علي اياد وابو خالد جورج وعن عمليات الفدائيين سافوي والثلاجة والخالصة وبيسان، وعن الوحدة الوطنية والشعبية والديمقراطية ونهجهما وسلوكهما المنفر وعن الكتائب والانعزاليين، كما لم يفته ابداء رأيه في دور سوريا المتواطىء مع الاردن والسعودية ومصر على حساب الثورة ومشاريع التسوية صفحة ٤٠٠، وفي هذا المقال بالذات تظهر كثير من اسس ومنطلقات التفكير لدى حنا، وبالتالي يسهل فهم عديد المواقف بعدها بما فيه الاغتيال.
وبفصل كبير تحت عنوان شذرات وبيانات وكلمات وهي تمتد من الصفحة ٣١٦-٣٩٠ وهي بمجملها تصريحات صحفية مقتضبة ارهقت الكتاب والقاريء باستثناء مقال كمال ناصر ٣٣٥-٣٥٢ والذي نجح برتق هذا العيب.

عند الصفحة٣٩١ يبدا فصل حنا مقبل حوارات وفيه يظهر موقف حنا جليا من عدة امور واهمها سوريا ودورها المشبوه في التواطىء مع القوى والانظمة الرجعية ضد الثورة الفلسطينية ص ٤٠٠، وفيها ايضا موقف ورأي من الاعلام العربي وتقصيره وتخاذله في تغطية صمود بيروت ١٩٨٢ ص ٤١١.

في الصفحة ٤١٥ باب خاص معنون ب ملف صنعاء، وهذا الفصل من الكتاب والممتد حتى الصفحة ٤٦٢، يشوبه الكثير ويعتريه النقص، “وكأن هناك من لازال على رأسه ريشة ويحسس عليها” ، ولا اخذ هذا الايراد والتوظيف هنا على حسن النية، وان كنت اتفهم مضمون الرسالة ومن المستهدف بها، لكن وفي كل الاحوال ايرادها هنا وفي هذا الكتاب وبهذا الشكل والتفصيل احسبه اضعف من قيمة الكتاب وحتى انه اساء لحنا مقبل المعلم والكاتب المرهف الحس والمتعالي عن صغائر الامور دائما.

وفي كل الاحوال في هذا الملف بالذات”ملف صنعاء” تشعر ان هناك اناس نحبهم ونقدرهم ونختلف معهم، وان كان في الاعادة افادة، نحب ان نسمعهم مجددا راينا في مؤتمر صنعاء، نحن كنا ولا زلنا مع مؤتمر صنعاء، ودعكم من محاولات تزييف الحقائق المستمر، نحن مع مؤتمر صنعاء بكل تفاصيله، نحن ابناء فتح، ننحاز لها عند يتطاول عليها الاعداء والخصوم والانتهازيين والاوباش.
نحن مع مؤتمر صنعاء، ومن لم يحضر، هو شأنه لن نقول اكثر، لكن من غير المقبول تلك الرواية الزائفة، هذه الرواية الزائفة هي رواية سوريا ونظامها الحاقد وما لف لفيفه من المنشقين واعوانهم وبعض المغرر بهم اصحاب النوايا الطيبة والذين تمتليء بهم الطريق الى جهنم.
في الصفحة ٤٧١-٥٠٠ الفصل الاخير من الكتاب وهو عبارة عن مجموعة من الصور للراحل الكبير حنا مقبل مع سياسيين وصحافيين وكتاب وادباء وشعراء بالاضافة لعائلته.

في الختام؛ ليس بوسعنا ان نصل لمقصدنا بافضل مما ذهب اليه حنا مقبل حين قال: “الوطن لا تحميه الشعارات ولا التنظيرات مهما بدت تقدمية على السطح.. فالثورية لا تقاس بعنف الكلمة وإنما بنوعية الممارسة”.
واحسن حنا صنعا حين ابقى خلفه شعاره الخالد، “ليس فلسطينيا من يكتب بغير الدم..ليس فلسطينيا من لا يقاتل من اجل فلسطين..وسنظل نكتب بالدم لفلسطين حتى نكتب في فلسطين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى