هل الرياض على مشارف الهزيمة؟
ياسين التميمي

حتى الآن ليس هناك فهم كامل لدوافع الإعلان الإماراتي الانسحاب العسكري من اليمن، في توقيت بالغ الحساسية، خصوصاً وأن الشريكة القائدة لتحالف الرياض- أبو ظبي العسكري في اليمن؛ تتعرض لأشرس هجوم عسكري على منشآتها الحيوية، خصوصاً في جنوب المملكة.

الأمر هنا لا يزال يتعلق بالإعلان وليس بالانسحاب؛ الذي يبدو أنه غير حقيقي إلا من بعض المظاهر التكتيكية التي اقتضت إخلاء بعض مواقع كانت تتواجد فيها الإمارات كشريكة أحياناً، كما هو الحال في مأرب، وكقائدة فعلية للعمليات الميدانية، كما هو الحال في الساحل الغربي للبلاد. وكل هذه المواقع تتواجد في الجزء الشمالي لليمن.

فالإمارات انتقلت إلى مستويات جديدة من التعاطي مع الشأن اليمني؛ عنوانه المزيد من تكريس النفوذ والتواجد في جنوب البلاد، يحكمها منطق ثأري على الارتدادات غير المتوقعة لسياسياتها السابقة، حيث خُيِّلَ إليها أنها باتت صاحبة النفوذ الذي يحظى بقبول واحترام، خصوصاً في جنوب اليمن الذي عملت على تغذية نزعة الانفصال لدى أكثر نخبه السياسية والاجتماعية والجهوية توتراً.

استثمرت الإمارات، في ظل توافق كامل مع الرياض، في تعميق الخلافات وتغذية الكراهية بين اليمنيين، واستثمرت في البنى الناظمة لهيكل الدولة الانفصالية المفترضة، من مجلس انتقالي ووحدات عسكرية تعمل بأسماء باتت عنوانا للمرحلة الراهنة: أحزمة أمنية ونخب، وألولية إسناد، وغيرها من المسميات.

كما أوجدت بيئة أمنية شمولية قمعية في الجنوب تتكون من سلسلة معتقلات ومعسكرات للاعتقالات والتعذيب، ذهب ضحيتها المئات من المناضلين على خط المشروع الوطني الوحدوي، وذلك بذريعة مكافحة الإرهاب، ولا تزال تمضي في خط دعم الانفصال؛ من خلال تدريب المئات من الشباب الجنوبيين في معسكرات تابعة لها خارج اليمن لتحقيق هذا الغرض.

حتى الآن، يكتنف الغموض موقف الرياض من الإعلان الإماراتي، وإن كان بعض التسريبات قد كشف عن خيبة أمل لدى الديوان الملكي السعودي من هذا الانسحاب، ومع ذلك هناك العشرات من المنافحين السعوديين عن الإمارات لا يزالون يعملون بإخلاص على خطها ويروجون للانفصال، وبعضهم كان يشغل عضوية مجلس الشورى السعودي.

لكن ومع ذلك، لا يمكن أن يتملص هذا التحالف من الإقرار بالتداعيات السلبية للإعلان الاماراتي الأخير بالانسحاب من اليمن؛ لأن إعلاناً كهذا يرسل رسائل واضحة إلى العالم، مفادها أن الحرب في اليمن لم تعد مجدية، ولم تعد تجري بالحماس ذاته وعلى قاعدة الشراكة المصيرية ذاتها بين قطبي هذا التحالف اللذين يتمتعان بعلاقات جيدة مع الانظمة الرسمية في الغرب؛ أتاح لهما إدارة الحرب بالطريقة العبثية التي رأيناها طيلة أكثر من أربع سنوات مضت.

ذلك يعني أن على العالم أن يبدأ بمناقشة الخطوة التالية، وهي دراسة إمكانية توزيع مكاسب الحرب على الأطراف المنخرطة فيها، وإذا ما تفحصنا هذه الأطراف جيداً سنجد أن أحد أكثر هذه الأطراف فعالية، وهي الإمارات، قد أعلنت انسحابها من المعركة الأساسية، وأكبر هذه الأطراف وأعني به السعودية قائدة ما يسمى “التحالف العربي”، أصبح مدافعاً أكثر من كونه مهاجماً، أما الطرف الذي يحارب هذا التحالف باسمه على الساحة اليمنية، فقد أصبح مشلولاً بلا دولة ولا إمكانيات ولا قرار ولا مأوى.

نحن إذا امام حقيقة مؤلمة للغاية لكنها ليست صادمة، بل متوقعة، وهي أن الطرف الذي يُحتمل أن تنصرف إليه معظم مكاسب الحرب؛ ليس إلا مليشيا الحوثي الانقلابية، ومن ورائها إيران والمنظومة الشيعية في المنطقة والعالم.

وقد سبق لهذه المليشيا أن استحوذت على كامل الحصة من النفوذ على معظم الجزء الشمالي من البلاد، والذي كانت حتى ما قبل الرابع من كانون الأول/ ديسمبر 2017 تتقاسمه مع حزب المؤتمر الشعبي العام؛ بزعامة الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون في ذلك التاريخ.

يمكن لولي العهد السعودي في جلسة استرخاء صحبة ولي عهد أبو ظبي أن يقرر ما إذا كان بالإمكان ترك الساحة اليمنية مشاعاً بين أطراف غير متكافئة في معركة مآلاتها معروفة، علماً بأن هذين الرجلين لطالما نظرا بازدراء إلى شركائهما في معركة استئصال النفوذ الإيراني في اليمن، وتعاملا مع هؤلاء الشركاء طيلة فترة الحرب كأعداء وإرهابيين ومتخاذلين، وليس شركاء، على نحو ما عكسه ولا يزال يعكسه الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بمكاتب هذين الأميرين واسعي النفوذ في السعودية والإمارات.

لكن هل بوسع السعودية أن تتجنب هذا المصير المخزي والخروج بطعم الهزيمة المر من حرب راهنت فيها على نفوذ لا حدود له؛ لقائدها الجديد محمد بن سلمان خلال المرحلة المقبلة، وألقت فيها أكثر من نصف مخزونها من الذخائر القديمة والجديدة فوق رؤوس اليمنيين، دون أن تتلف رأسا ذي قيمة في معسكر الحوثيين؟

هل تستطيع الرياض أن تدعي بأن صفحة الحرب يمكن أن تُطوى بمجرد إيقاف محركات الطائرات الحربية ومنعها من التحليق فوق سماء اليمن، والكف عن استهداف الحوثيين، ثم تنصرف لإزالة حطام مطاراتها المدنية ومنشآتها الكهربائية والنفطية التي دمرتها طائرات بدون طيار أقل تطوراً وصواريخ بالستية روسية تم تطويرها في إيران؟

سيكتب التاريخ حينها أن السعودية خرجت مهزومة من حرب كان يمكن أن تكسبها بسهولة، وكان بإمكانها أن تُبقي معها على اليمن شريكاً عربيا حقيقيا، على قاعدة المصالح المشتركة وحسن الجوار، والاحترام الكامل لخيارات الشعب اليمن في الاتحاد تحت مظلة نظام جمهوري ديمقراطي تعددي.

مقالات ذات صلة