“إسرائيل” التي في تراثنا
مجد أبو عامر

قال وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة، في مقابلة مع قناة تلفزيونية إسرائيلية أنّ “إسرائيل دولة في الشرق الأوسط، وهي جزء من التراث التاريخي للمنطقة كلّها، ولذلك الشعب اليهودي لديه مكان بيننا”. ثلاث عبارات في حديثٍ واحد، بحاجة إلى تفكيكٍ، فلكل منها معنى تاريخي وقانوني مختلف، وقولها معًا، أو جمعها بهذا الشكل، يصبُّ في فكرةٍ يروّجها الصهاينة في العالم، لكنها لا تمتُّ للحقيقة بِصلة.
الأولى، أن إسرائيل واحدة من دول الشرق الأوسط. من الناحيتين، القانونية والواقعية، هذا صحيح، فهذه الدولة أوجدها تاريخيًا وعد بلفور الاستعماري البريطاني عام 1917، وهو صهيوني بروتستانتي، استندَ في وعده على تفسيراتٍ توراتية وإنجيلية، لا تتفقُ مع تفسيرات الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية. والغرض من إنشاء الكيان، بحسب وثيقة البريطاني برينمان كامبل عام 1905، منع توحيد العالم العربي في دولة واحدة، ومن ثمّ استكملت قانونيتها من خلال قرار تقسيم فلسطين رقم 1/181 الصادر عام 1947. وبحسب هذا القرار، يجبُ إقامة دولتين؛ عربية وأخرى يهودية على أرض فلسطين، فالقرار ينصُّ على تقسيم فلسطين، الدولة التي كانت أسوةً بشقيقاتها العربيات تحت الانتداب. وقد كانت فلسطين حينها دولة بحدودٍ واضحة، وقد نصَّ القرار على تقسيم هذه الدولة باسمها فلسطين، فلم يكن هناك بعد لا إسرائيل ولا يهود، وبما أنّ قرارات الأمم المتحدة لا تُجزّأ؛ أي تُطبّق كاملةً، فإن شرعية وجود إسرائيل مشكوك فيها، أو بالأحرى باطلة، إلّا بَعد إقامة الدولة العربية إلى جانب الدولة اليهودية.
وعليه، لا تاريخيًا ولا قانونيًا، لهذه الدولة الحق بالوجود، ووجودها وبقاؤها قانونيًا مُشترط بتطبيق القرارين 181/1، و194 الخاص بعودة اللاجئين إلى القرى والمدن التي طردوا منها بالقوة، ووجود هذه الدولة المُغتصبة اليوم واقعي فقط، مُرتبط بمصالح العالم الغربي الذي منحَ وجودها بُعدًا دينيًا، حتّى يضمن استمرارها وتبرير تمويلها وأفعالها المُنافية للقانون الدولي، بشقّيه العام والإنساني.
العبارة الثانية أنّ إسرائيل جزء من التراث التاريخي للمنطقة! بعيدًا عن سذاجتها، إلّا أنّ ما تُقرّه في غاية الخطورة، ويعني أنّ هذه الدولة المعروفة ظروف نشأتها قديمة ومستمرّة منذ زمن، فالتراثي هو ما تراكم من معرفة وعادات وتقاليد وأعراف، من خلال الأجيال، ويستندُ إلى تاريخ غير منقطع، يعود إلى الأجداد. فأين دولة إسرائيل من هذا؟ إنْ كان الوزير البحريني يعني إسرائيل القبيلة، وهو بحسب تعبيره لا يعنيها بالتأكيد، بل يعني الدولة، فهو مخطئ. ويبدو أن الأمر التبس عليه، فالقرآن في كل آياته لا يربطُ بأي شكل بين الديانة اليهودية وبني إسرائيل القبيلة العربية الثمودية التي استوطنت شمال الحجاز، بحسبِ النص التوراتي الصريح. وقد أوضح الرسول محمد لأتباعه ذلك، عندما قدمَ يثرب بقوله: “صوموا عاشوراء نحن أوْلى بموسى منهم”؛ أي اليهود. وفي كل ذكرٍ لبني إسرائيل، يذكرُ القرآن أنّهم كانوا مسلمين. ولكن عندما يتحدثُ عن اليهود، لا يوصلهم بموسى ولا ببني إسرائيل، فقد عاشَ في جزيرة العرب يهود من قبائل عربية شتّى، حملت أسماءً عربية صريحة، ولغتهم كانت العربية، ولم يتحدث الرسول عنهم كبني إسرائيل، أو أنهم امتداد لهم. ويهود اليوم، كما تُثبت الوقائع التاريخية، ليسوا إسرائيليين، ولا يمتّون بصلة ليعقوب وأبنائه وأحفاده، فأغلبهم أوروبيون وأصولهم خزرية – أشكنازية. فعن أي إسرائيل “التي في تاريخنا وتراثنا”، يتحدث خالد آل خليفة؟ إن كانت الحالية، فتراثنا الذي حفظناه عن أجدادنا وآبائنا يقولُ إنّه تاريخ مليء بالمجازر، من دير ياسين وقبية وكفر قاسم وبحر البقر وقانا وخانيونس، وقتل الأسرى المصريين، وحرق الطفل محمد أبو خضير، وعائلة الدوابشة، وتدنيس الأقصى، وإذلال العرب، والتآمر على أوطانهم، ومحاولة تقسيمهم، والإساءة لهم ولتاريخهم في الإعلام العالمي، في تاريخ دولة إسرائيل. المدخلُ إلى تاريخنا وتراثنا، لا يرى منه سوى الدمار والخراب والحروب والتشرّد وسنوات من الضياع.
ما الذي يرجوه الوزير البحريني من بقاء هذه الدولة؟ هل استمرار الاستبداد في بلادنا العربية؟ هل منع التحرّر من أن يتمكّن من عقولنا وقلوبنا، حتّى تبقى العائلات والأنظمة التي ربطتْ نفسها بالاستعمار والغرب المتصهين حيةً وأبدية الوجود؟ يصوغُ الدبلوماسيون عباراتهم بدقةٍ ويعنون فيها كل حرف، لكن الوزير البحريني المُطبّع مع عدوّ الأمّة ربما لم يقصد ما نراه من تراث وتاريخ “إسرائيلي” حديث في تاريخنا، ربما مشكلات بلاده الداخلية وقمع الحريات فيها ورفض الديمقراطية والخوف من المستقبل، لأنّ المد الديمقراطي قادم لا محالة، على الرغم من عمليات الدفع المدعومة أميركيًا وصهيونيًا لمنع تحقيقه أو تأجيله، والخوف من إيران التي أصبحتْ تُهيمن على أجزاء من الشرق العربي، أفقدته البصيرة ليتودّد إلى عدوّ الأمّة، ويُلغي
التاريخ ويحلّ مكانه تاريخًا لا نعرفه.
فشلتْ ورشة المنامة فلسطينيًا باعتراف عرّابها جاريد كوشنر، وستفشلُ عربيًا، على الرغم من كلّ المحاولات التي تقذفُ بالفلسطيني وتاريخه بالبهتان في تساوق مع الصهيونية. تاريخ الفلسطيني وتراثه جزء من تاريخ الأمّة العربية، من ينفِ أو يتلاعب به يعملْ على إلغاء الوجود الفلسطيني وحقوقه. قد لا يعلمُ الوزير البحريني أنّ الفلسطيني بحريني، كما البحريني بحريني، وهو قطري وعُماني أيضًا، من هناك انطلق أجداده الكنعانيون الفينيقيون إلى بلادهم على ساحل المتوسط الشرقي، هذا هو التراث والتاريخ الذي على وزير الخارجية البحريني معرفتهُ. لقد أخبر فينيقيو مدينة صور هيرودت، أنّهم جاءوا إلى بلادهم في الشام، من الخليج العربي، من صيدون وصور وأرواد على الخليج، وبنوا مثلها على الساحل الشامي.
هذا هو التراث والتاريخ، معالي الوزير، وما كان يعقوب وأبناؤه إلّا جزءًا من تراث فلسطيني شمال الحجاز، لا علاقة للخزر الأشكناز به. تحدّث بالسياسة، تحدث عن الاضطرار في صياغة التحالفات، ولكن لا تُخطئ وتُلفّق. تلك مسألة عليها شهادات، من الصعبِ تمريرها إلى العقول، فدوّنتها آثار وكتب تراث وعقائد، لن تسمحَ بأن تُمسَّ من أجل حكمٍ وكراس، ومصالح عشيرة.

مقالات ذات صلة