لبنان على خط المواجهة الأميركية الإيرانية
وائل نجم

ليس خافياً على أحد التصعيد المستمر والمتواصل بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من ناحية، وإيران من ناحية ثانية في المنطقة، الذي يتخذ أشكالاً متعدّدة من الضغط والضغط المقابل، بهدف التوصل إلى ما يريده كل طرف، بعيداً عن الانزلاق إلى المواجهة المباشرة والحرب المفتوحة.
لجأت الولايات المتحدة إلى أسلوب العقوبات الاقتصادية والحصار، بهدف إرغام القيادة الإيرانية على التسليم للإرادة الأميركية في المنطقة، وليس معلوماً بالضبط والدقة ما تريده هذه الإرادة، فهي قد تبدأ بالمطالبة ببعض النقاط، إلا أنها قد تطوّر منها، وصولاً إلى ما هو أعمق وأصعب وأكثر كلفة.
في مقابل ذلك، لجأت إيران إلى المواجهة والضغط غير المباشر الذي لا يحمّلها كلفة مباشرة عن أي حدث قد يحصل. وفي ذلك تابعنا التصعيد الحوثي الواضح بواسطة الصواريخ الموجّهة، والطائرات المسيّرة تجاه أهدافٍ في السعودية وبقية المنطقة. كما تابعنا الهجمات التي استهدفت ناقلات نفط في الخليج، من دون أن تتبنّى أيّ جهة المسؤولية عن ذلك، في ظل صمت إيراني واتهام أميركي سعودي لإيران بالوقوف خلف الهجمات.
هل دخل لبنان على خط المواجهة الأميركية الإيرانية أخيراً؟ وما هو الشكل الذي اتخذته هذه المواجهة إن كان حصلت فعلاً؟ هناك مسألتان حدثتا أخيراً في لبنان لا يمكن إلا أن تكونا مترابطتين، وأيضاً بما يجري في المنطقة.
الأولى، فشل مساعي مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد ساترفليد، في رعاية مفاوضات بين لبنان و”إسرائيل” من أجل ترسيم الحدود البحرية والبرية بين الطرفين، وخصوصاً أن الحدود البحرية تتضمن آبار نفط وغاز غنية. والسبب المعلن في ذلك اشتراط لبنان ترسيم الحدود المشتركة براً وبحراً، فيما تريد “إسرائيل” ترسيم الحدود البحرية فقط، وهذا بالطبع يدخل في إطار الصراعات القائمة في المنطقة على النفوذ والمواقع والموارد  البترولية والغازية.
الثانية، حادثة بلدة قبرشمون في محافظة جبل لبنان، التي راح ضحيتها بعض مرافقي وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب (الحزب الديمقراطي اللبناني)، في تبادل إطلاق نار مع مناصري الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط. وعكست الحادثة حجم التوتر والخلاف والانقسام بين مناصري النظام السوري وإيران (الديمقراطي اللبناني)، وبين مناهضي النظام وإيران (التقدمي الاشتراكي)، وقد طالب “الديمقراطي اللبناني”، مدعوماً من حزب الله، بإحالة ملف الحادثة على المجلس العدلي اللبناني الذي يُعنى بالجرائم التي تمسّ أمن الدولة، وتُعتبر أحكامه نافذة، وغير قابلة للاستئناف أو التمييز. في مقابل ذلك، رفض “التقدمي الاشتراكي”، مدعوماً ببعض الحلفاء، إحالة الملف على المجلس العدلي، ورأى في ذلك محاولة لتصفية الزعيم الدرزي وليد جنبلاط سياسياً، وحتى جسدياً بعد ذلك، من خلال اتهامه بجريمةٍ تمسّ أمن الدولة. وقد أثّرت الحادثة بشكل كبير على عمل الحكومة اللبنانية، المُشكّلة أصلاً من أغلب القوى السياسية اللبنانية، بما فيها حزب الله والحزب الديمقراطي اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي وغيرها، فتعطّل العمل الحكومي، بحجة التوتر الذي يحكم البلد بفعل هذه الحادثة.
يقول بعضهم إن تعطيل الحكومة في هذه المرحلة، يأتي في سياق الرسائل الإيرانية إلى الولايات المتحدة، وجزءاً من التأكيد على قوة تأثير إيران في دول عديدة في الإقليم، وللبنان مكانة خاصة في التفكير الإيراني، وحتى الأميركي، إذ يقع على حدود “إسرائيل” من ناحية، ويملك فيه حزب الله، الحليف الأساسي والأقوى لإيران في المنطقة، ترسانة صاروخية، لطالما أكد أمين عام الحزب حسن نصرالله، أنها تطاول الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة. وعليه، فإن الرسالة تكون قد وصلت إلى واشنطن، كجزء من الرسائل المتعددة والمتنوّعة في إطار المواجهة.
في مقابل ذلك، برزت عقوبات أميركية جديدة على حزب الله، طاولت هذه المرّة رئيس كتلة نواب الحزب في المجلس النيابي اللبناني، محمد رعد، وعضو الكتلة أمين شرّي، ومسؤول الأمن في الحزب وفيق صفا. وقد فسّرها بعضهم في بيروت ردّاً على بعض رسائل إيران في الساحة اللبنانية.
وبهذا الاعتبار، يمكن القول إن لبنان دخل على خط المواجهة بين الطرفين. ولكن بشكل ناعم وهادئ خلال هذه الفترة، مع إمكانية أن يتطوّر المشهد إلى ما هو أعقد وأكبر، في حال تطوّرت الأمور في المنطقة.

مقالات ذات صلة