خيارات إدارة ترامب في مواجهة “حزب الله”

تمثّل العقوبات الأميركية الأخيرة على أعضاء في “حزب الله” اللبناني، بينهم نائبان،استمراراً لنهج الضغوط الأميركية على الحزب. لكن هناك رمزية للإجراءات التي اتخذت الأسبوع الماضي تعكس تقاطعاً غير مكتمل في المصالح بين مقاربة إدارة الرئيس دونالد ترامب حيال إيران ورغبة قادة لبنانيين بتعديل الدينامية السياسية في بلادهم. وعلى الرغم من أن لبنان بقي محصناً من التوتر بين واشنطن وطهران حول الاتفاق النووي، فإن هناك تساؤلات عما إذا كان هذا الأمر سيتغيّر في المدى المنظور. وتستمر إدارة ترامب في استهدافها التدريجي للأعضاء الثمانية في مجلس شورى “حزب الله”، وذلك تحت مظلة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة، وبالتالي يصل عدد أفراد وكيانات “حزب الله” التي وضعتها إدارة ترامب على لائحة الإرهاب إلى 50. ففي مايو/أيار 2017، كان الهدف الأول رئيس المجلس التنفيذي في الحزب هشام صفي الدين. وفي مايو 2018، زادت إدارة ترامب أسماء جديدة من مجلس شورى “حزب الله”، هم الأمين العام للحزب حسن نصر الله ونائبه نعيم قاسم ومعاونه السياسي حسين خليل ورئيس الهيئة الشرعية في “حزب الله” الشيخ محمد يزبك. أما العقوبات الجديدة، التي فُرضت في 9 يوليو/تموز الحالي، فقد استهدفت رئيس كتلة الحزب النيابية في مجلس النواب محمد رعد، وبالتالي العضو الثامن والأخير في مجلس الشورى الذي يبقى خارج دائرة العقوبات الأميركية هو جواد نور الدين الذي ليس لديه منصب محدد، بل يُكلف، حسب الحاجة، بالتنسيق بين الجناحين العسكري والسياسي لـ”حزب الله”.

هناك رمزية سياسية في الإجراءات الأميركية الأخيرة التي طاولت النائب محمد رعد وزميله أمين شري، أي استهداف التمثيل السياسي للحزب في مجلس النواب، للمرة الأولى، لا سيما رعد الذي يرأس كتلة “الوفاء للمقاومة” منذ العام 1992 والآتي من حزب “الدعوة” قبل انضمامه إلى الجيل المؤسس في “حزب الله”. أما النائب أمين شري فهو من رجال الأعمال في دائرة الحزب، وأدى في الفترة الأخيرة دور حلقة الوصل بين الحزب والمصارف اللبنانية، ومن هنا تسليط وزارة الخزانة الضوء على ما اعتبرته تهديد شري للمصارف إذا ما نفذت العقوبات الأميركية على بعض أعضاء الحزب. ويبدو أن إدارة ترامب تحاول عبر هذه الخطوة توجيه رسالة مزدوجة إلى المصارف اللبنانية، الأولى لدعم من يُنسق منها مع واشنطن والثانية تحذر فيها من يتهرب من تنفيذ هذه العقوبات.

الاسم الثالث الجديد على اللائحة هو مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في “حزب الله” وفيق صفا، الذي تمرّ عبره كل قنوات الاتصال بين الجهاز الأمني للحزب والمؤسسات الأمنية في الدولة اللبنانية. ويشغل صفا هذا المنصب منذ العام 2005، عندما قرر الحزب حينها توسيع نفوذه في النظام السياسي بعد انسحاب القوات السورية من لبنان. قبلها كان صفا المفاوض الرئيسي بين “حزب الله” وإسرائيل حول تبادل الأسرى عبر وسطاء أوروبيين (خصوصاً ألمان). وتوسع نفوذ صفا في الحياة السياسية اللبنانية ليُمسك بكل الملفات الأمنية والسياسية، لكن تم تقليص مهماته بعد الانتخابات النيابية العام الماضي. ويقتصر دوره حالياً على التنسيق الأمني بين “حزب الله” والدولة اللبنانية، كما يحافظ على ملف سياسي واحد هو العلاقة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”.

ومع أن توقيت هذه العقوبات يأتي في ظل توتر أميركي-إيراني، فإنه يمكن النظر إليها أيضاً من بوابة السياسة الداخلية اللبنانية، التي تشهد أخيراً محاولات لتعديل التسوية الرئاسية في العام 2016 التي أوصلت ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، وسعد الحريري إلى رئاسة مجلس الوزراء. لكن مصالح إدارة ترامب، عبر العقوبات الأخيرة، لا تتقاطع بالضرورة مع هذا الحراك الداخلي في لبنان. ومحاولة قيادات لبنانية، تشعر أنها مهمشة من جراء هذه التسوية، لإيجاد مسافة بين الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل، بعدما تنامى نفوذ الأخير في الحكومة في سياق النزاع السياسي والطائفي على قرارات وموارد الدولة، لا تتماشى بالضرورة مع مسعى إدارة ترامب عبر هذه العقوبات لإيجاد مسافة بين عون/الحريري و”حزب الله”. كما تحدث نصر الله، في مقابلته الأخيرة، عن محاولات من إدارة ترامب لفتح قنوات مع “حزب الله”. وكان رد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، عبر “العربي الجديد”، بالقول إن “تصريح نصر الله يفتقد إلى المصداقية”.

من التساؤلات المفتوحة ما يخص مدى تأثير هذه العقوبات على الغطاء الذي يعطيه “حزب الله” للحكومة للسير في مسار التفاوض الحدودي مع إسرائيل. الزيارة الأخيرة التي قام بها الوسيط الأميركي ديفيد ساترفيلد، عكست جموداً في هذا المسار، بل هناك حديث عن فشل المسعى الأميركي للوساطة، في ظل الجدل المستمر حول ما إذا كان يجب ربط ترسيم الحدود البحرية بالترسيم البري، في وقت انتقل فيه ساترفيلد إلى أنقرة لاستلام مهمته كسفير جديد لدى تركيا. قد يكون من الصعب السير بهذه المفاوضات في ظل الأجواء السياسية الحالية، داخلياً وإقليمياً، لكن مسؤولاً في وزارة الخارجية الأميركية أكد، لـ”العربي الجديد”، أن قرار العقوبات الأخير “ليست له علاقة بالجهود الأميركية لمساعدة لبنان وإسرائيل على التوصل إلى حلول مقبولة من الطرفين لنزاعاتهما الحدودية البرية والبحرية”.

البيت الأبيض، الذي يبدو أكثر اندفاعاً من وزارة الخارجية حول البعد السياسي لهذه العقوبات، يقول إن “حزب الله” يتجه بشكل متزايد إلى الشعب اللبناني وحكومته لتوفير موارد بديلة. ولفت مسؤول في مجلس الأمن القومي، خلال إيجاز صحافي الأسبوع الماضي، إلى أن خطوة العقوبات الأخيرة يجب أن تكون “بمثابة دعوة تنبيه إلى حكومة لبنان بأن الولايات المتحدة لن تتغاضى عن الدور المتزايد لحزب الله الذي يطرح تهديداً مباشراً للسيادة اللبنانية، كما يشكّل تهديداً أمنياً لا يحتمل لإسرائيل”. يتوقع البيت الأبيض أن تكون رسالة هذه العقوبات ضرورة “قطع” الحكومة اللبنانية والقطاع الخاص علاقاتهما مع “حزب الله”. وبالتالي أثر هذه العقوبات وقدرتها على تأزيم الوضع الداخلي في لبنان يعتمد على تفسير بيروت أو شرح واشنطن لهذه العقوبات الأميركية الأخيرة، لا سيما أنه لا يبدو أن هناك أرصدة لمسؤولي “حزب الله” الذين شملتهم العقوبات الأخيرة في المصارف اللبنانية.

إدارة ترامب متمسكة بمسار العقوبات ضد “حزب الله” وتعتبر أنه يستخدم حضوره في البرلمان اللبناني “للتلاعب بالمؤسسات ودعم مصالحه الأمنية والمالية”، مع الإشارة إلى أنه ليس هناك أسماء من الحزب “لا يمكن المساس بها”. وهناك اعتقاد في واشنطن يفيد بأن الضغوط الأميركية كانت فعالة في الفترة الأخيرة، إذ وافقت الحكومة اللبنانية مبدئياً على التفاوض حول حدودها البحرية مع إسرائيل، كما اضطر نصر الله إلى إطلاق حملة تبرعات في شهر مارس/آذار الماضي لتوفير موارد جديدة للحزب نتيجة العقوبات الأميركية على إيران. لكن القيادات اللبنانية، التي تابعت قرار ترامب المفاجئ بالانسحاب من سورية نهاية العام الماضي وتراجعه أخيراً عن توجيه ضربة إلى إيران، قد لا يكون لها الثقة في أن إدارة ترامب ستذهب في مواجهة “حزب الله” إلى النهاية، لا سيما في ظل احتمالات التفاوض بين واشنطن وطهران، وفي ظل تجربة أحداث مايو/أيار 2008، حين تخلّت إدارة جورج بوش الابن عن دعم حلفائها اللبنانيين خلال الاجتياح العسكري لـ”حزب الله” لبيروت. التحدي في واشنطن أن هذه العقوبات المتكررة تأتي بلا سياسة أميركية واضحة في لبنان، ما يجعل الخيارات محدودة لتغيير الدينامية السياسية في بيروت. إذا قرر الحريري مواجهة “التيار الوطني الحر” أو “حزب الله” قد يكون مصير حكومته التعطيل أو السقوط، ما قد يدخل لبنان في أزمة سياسية طويلة الأمد. هناك تشابه جزئي بين الاتفاق النووي الإيراني والتسوية الرئاسية في لبنان. فكما الاتفاق النووي، فإن إلغاء هذه التسوية من دون إيجاد بديل لها قد يقوّض الاستقرار الهش في لبنان.

مقالات ذات صلة