لبنانيون وفلسطينيون
بيار عقيقي

مشكلة الحقوق الإنسانية في الشرق الأوسط أنها مرتبطة بالأبعاد الطائفية والقومية لكل مجموعات هذا الشرق. وعليه، تبقى المحاربة من أجل الحقوق بطريقة إنسانية ضرباً من الجنون. ذلك، لأن “الأوصياء” على الطوائف والقوميات لا يريدون أن يتحقق مفهوم “العدالة الاجتماعية” بحدّه الأدنى حتى، من دون المرور بالعصبيات الدينية والمذهبية والمناطقية. ما حدث في الوسطين، اللبناني والفلسطيني، في لبنان أخيراً، تأكيد على ذلك.
في 10 يوليو/ تموز الحالي، أطلق وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان، ما سماها “حملة لمكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية”، تشمل إغلاق المحال التي توظّف عمالاً أجانب بشكل غير قانوني، وتنظيم محاضر ضبط بالشركات التي تشغل العمال الأجانب من دون إجازات عمل لهم. في أي دولة، يُعتبر مثل هذا القرار ضرورياً وإيجابياً لتحصين سوق العمل، ومنع الهدر الضريبي، ولكن جملة الأخطاء المرتكبة أدت إلى نشوء أزمة غير ضرورية.
الخطأ الأول يكمن في اعتبار الفلسطينيين في لبنان “أجانب”، بينما في الواقع هم “لاجئون”، في ظل عدم إقرار حق العودة من جهة، وعدم وجود دولة فلسطينية فعلية من جهة ثانية. لا يستلزم ذلك فتح معركة وجودية بين الجانبين. لا اللبناني قادر على إنهاء الفلسطينيين ولا الفلسطينيون قادرون على “احتلال” لبنان بحسب الأدبيات التي برزت في الأيام القليلة الماضية. القليل من الهدوء يكفي لتبيان أن التهوّر والانجراف العشوائي غير مفيدَين للفريقين.
الخطأ الثاني تمثل في استحضار كثيرين لغة الحرب اللبنانية (1975 – 1990)، والتي كان العنصران، اللبناني المسيحي والفلسطيني، ركنين أساسيين في أجزاء منها، بينما تبدو الأوضاع، في الواقع، مختلفة تماماً عما كانت عليه عشية الحرب، فالظروف الحالية مغايرة للظروف السابقة. لا الإقليم قادر على التدخل المباشر، ولا الداخل قادر على إشعال حربٍ أو غيرها. ربما يعتبر بعضهم أن من الضروري إبراز ذاكرة الحرب، كي لا تتكرّر ثانية.
الخطأ الثالث مرتبط بمدى تمسّك اللبنانيين والفلسطينيين، بيمينهم ويسارهم، بنظرة تقليدية نمطية، كلٌّ إلى الآخر، ولا كأن عشرات ألوف اللبنانيين والفلسطينيين يعيشون مع بعضهم بعضا، سواء بالاختيار أو بالإكراه، لكنهم يعيشون. كما أن المخيمات الفلسطينية، خصوصاً الموجودة في بيروت، باتت تضمّ خليطاً من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين، في ترجمة لمعاناة الطبقة الفقيرة. وإضافة إلى ذلك كله، أجيال فلسطينية عدة وُلدت في لبنان، وربما لن يعود بعض منها إلى فلسطين، تماماً كما اللبناني الذي لجأ إلى قبرص في الحرب، ثم أوروبا، ولم يعد إلى لبنان.
يحتّم ذلك كله النظر بصورة أوسع إلى المشكلة، فالنظر بصورة ضيّقة أدخلنا في سياقات الحرب سابقاً. النظر بصورة أوسع، خصوصاً في العلاقات اللبنانية ــ الفلسطينية، يستلزم مقاربة الأمور بطريقة اجتماعية – اقتصادية، لا طائفية – سياسية. في الحالة الأولى، يمكن إيجاد الحلول بسهولة، وإشراك الفلسطيني في دورة العمل اللبنانية بسلاسة، ضمن حقوقٍ مدنية، لا سياسية، بديهية له. في الحالة الثانية، يمكن إفساح المجال للمتطرّفين على الجهتين لتأجيج الصراعات، والدفع باتجاه لحظة تشعل فتنة دموية ما. كما أن الصورة النمطية عن أن المخيمات الفلسطينية هي مجموعات مسلحة تروّع السكان، وتهدد السلم الأهلي، هي ما يريد كثيرون تأكيدها، بينما في الواقع أن غالبية القاطنين في المخيمات هم عائلات وأطفال وأفراد غير قادرين على مواجهة أي مسلّح، فيقبلون الأمر الواقع. يكفي أنه في كل حرب داخلية في المخيمات، تنزح عشرات العائلات إلى خارجها، للدلالة على البؤس الذي يعاني منه سكان المخيمات. في المقابل، أكبر خطيئة للقضية الفلسطينية اعتبارها “قضية إسلامية”، وهو ما يعني حكماً أن بعض من يؤيدها أو يعارضها ينطلق من هذه الخلفية، فيما هي قضية إنسانية فقط.

مقالات ذات صلة