ترامب هو من يبغض أمريكا

السياسي – نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا للصحافي ديفيد بروكس، يقول فيه إن من الواضح أن ترامب يريد أن يجعل هذه الانتخابات حول ماذا يعني أن تكون أمريكيا، فلديه تصور لما يعنيه أن تكون أمريكيا، ويتحدى البقية أن يقدموا تصورا أفضل.

ويشير بروكس في مقاله إلى أن “تعريف (الأمريكي) في نسخة ترامب يقوم على ثلاثة أسس: الأول أن تكون مبغضا للأجانب، وروايته هي أن الناس الجيدين في أمريكا كلهم يهاجمهم الغرباء والنخبويون والناس من الخارج، والأساس الثاني أنك لتكون أمريكيا فإن عليك أن تحن إلى الماضي، فالقيم الأمريكية كانت أفضل في تاريخ ذهبي سابق، أما الأساس الثالث، أن تكون أمريكيا يعني أن تكون أبيض، فالبروتستانت البيض هم من أقاموا هذا البلد وأي شخص آخر فيها مستفيد من تعبهم”.

ويقول الكاتب: “عندما تنظر إلى فكرة ترامب حول أمريكا تجد أنها تتناقض مع الفكرة التقليدية لأمريكا في كل تفصيل، وفي الواقع فإن قصة ترامب القومية أقرب إلى قصة روسيا القومية من قصتنا، إنها عقيدة غريبة يريد أن يزرعها في أرضنا”.

ويرى بروكس أن “رؤية ترامب هي ضد أمريكا بشكل جذري، ففكرة أمريكا الحقيقية لا تقوم على رهاب الأجانب، ولا تقوم على الحنين للماضي، ولا على العنصرية، إنها تقوم على التعددية والتطلع للمستقبل والكونية، أمريكا متميزة بالضبط لأنها البلد الوحيد الذي يعرف نفسه بناء على المستقبل وليس الماضي، وأمريكا متميزة لأنها من البداية رأى مواطنوها أنفسهم في مشروع له تأثير على البشرية، وأمريكا متميزة لأنها قامت على الحلم بجمع المختلفين في اتحاد واحد (الولايات جميعها في دولة واحدة)”.

ويلفت الكاتب إلى أن “البروتستانت المتشددين استقروا في هذه القارة وهم يحلمون بإقامة مدينة مستقبلية على تلة، وكانت لديهم أحلام أخروية بإتمام خطط الله على الأرض، ومع نهاية الثورة كان واضحا أن أمريكا كانت أرض المنفعة المستقبلية، الشعب الذي يقود البشرية إلى مستقبل من الديمقراطية والعيش الكريم”.

وينوه بروكس إلى أن جون آدمز أعلن قائلا: “دائما ما أنظر إلى الاستيطان في أمريكا باحترام وإعجاب.. كافتتاح لمشهد عظيم من البذل لإنارة عقول الجهلاء وتحرير العبيد من البشر في كل مكان”.

ويقول الكاتب إن “الحياة الأمريكية صاخبة وديناميكية؛ لأن رؤية لإقامة الجنة على الأرض تحفزها، وكما قال جورج سانتيانا فإن الأمريكيين في العادة لا يميزون بين المقدس والمدنس، وببناء ثروة مادية عظيمة يرون أنفسهم يخلقون بلدا سينقذ البشرية، وسيكون أفضل أمل على الأرض”.

ويرى بروكس أن “هذا الشعور بوجود مهمة في العادة جعل الأمريكيين متعجرفين وخطرين، لكنه جعلنا أيضا أكثر توجسا، فقد بني البلد على آلام كثيرة: لقد كلفنا الله بمهمة خدمة الأرض كلها، لكن نحن بطمعنا وذنوبنا نخرب ذلك، لقد تحسر رالف والدو أميرسون قائلا: (آه يا بلدي.. فيك أمل البشرية المعقول لم يتحقق)”.

ويستدرك الكاتب بأن “المهمة الأمريكية عاشت بالرغم من إخفاقاتها، وقام هيرمان ميلفيل باختصار مزاج الشعب في روايته (وايت جاكيت)، فقال: (قدر الله، وتتوقع البشرية أشياء عظيمة من جنسنا، وهناك أشياء عظيمة في أرواحنا.. نحن رواد العالم، والحماة المتقدمون الذين أرسلوا إلى برية الأمور غير المجربة لنشق طريقا جديدا”.

ويقول بروكس: “مرة تلو أخرى شعر الأمريكيون بأنه مطلوب منهم أن يدخلوا جبهات جديدة، لتصميم ديمقراطية أو إنشاء نوع جديد من الشخص الديمقراطي، أو الاستيطان في الغرب وإدخال التصنيع، ولإنتاج تكنولوجيا جديدة، ولاستكشاف الفضاء، ولمحاربة التمييز، ولمحاربة الاستبداد، ولنشر الديمقراطية، فالمهمة كانت دائما ذاتها: القفز إلى المستقبل ولإعطاء الحياة معنى وشكلا بتوفير الفرصة والكرامة للأجناس والشعوب كلها”.

ويجد الكاتب أن “هذه الفكرة الأمريكية ليست التعصب البغيض، إنها إيمان وحلم، وقد شرحها المؤرخ ساكفان بيركوفيتش بشكل جيد، قائلا: (أمريكا فقط هيالتي تحدت القوة المشتركة للشوفينية والإيمان بالآخرة، أشكال كثيرة من القومية ادعت أنها تملك وعدا بإنقاذ العالم، وحاولت العديد من الطوائف المسيحية، مستخدمة البدع سرا وعلانية، أن تجد المقدس في المدنس، وكثير من البروتستانت الأوروبيين حاولوا ربط رحلة الروح بالثراء المادي)”.

ويستدرك المؤرخ قائلا: “لكن الطريقة الأمريكية فقط من الرموز الحديثة كلها استطاعت أن تتحايل على التناقضات الموجودة في هذه المقاربات، ومن شعارات الهوية كلها فقط (أمريكا) نجحت في توحيد القومية مع العالمية والمدنية مع الروحية والتاريخ المقدس مع العلماني..”.

ويؤكد بروكس أن “حملة ترامب هي هجوم على هذا الحلم، ورد الفعل الصحيح هو تأكيد هذا النموذج المثالي، والمهمة أمامنا هي أن نخلق أكبر ديمقراطية تعددية في تاريخ الكرة الأرضية، شعبا عالميا حقا، وهو ما سيرقع الخروق الاجتماعية التي يخلقها ترامب”.

ويختم الكاتب مقاله بالقول إن “الأمريكيين كانوا دائما منقسمين من حيث مكان قدومهم، لكنهم متحدون في رؤيتهم لمستقبلهم المشترك، واتحدوا في الرؤية لخلق وطن تعددي ينتمي فيه الجميع، أو كما كتب لانغستون هيوز: (أمريكا لم تكن يوما أمريكا بالنسبة لي، ومع ذلك أقسم على أن أمريكا ستكون)”.

مقالات ذات صلة