العلاقة المميزة بين الشعبين الفلسطيني والجزائري

السياسي – كادت أحياء مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة، أن تتحول إلى “وهران” أو “قسنطينة” أو “تلمسان” خلال بطولة أمم أفريقيا التي أقيمت في مصر مؤخراً، حيث سادت الأعلام الجزائرية في الشوارع والمقاهي وحتى المنازل والمركبات منذ بداية البطولة، بل امتد هذا المشهد ليشمل الضفة وقطاع غزة والقدس والداخل المحتل.

وعلى الرغم من أن الفلسطينيين يشعرون بالقرب المعنوي من كل الشعوب العربية ويتعاطفون مع قضاياها الحية من عُمان إلى موريتانيا؛ إلا أن العلاقة باتت أكثر تميزا مع الشعب الجزائري تحديدا ولأسباب عدة، ربما كان أبرزها عدّاد الشهداء الذي نزف تحت استعمار واحتلال أجنبيين في كلتا الدولتين، فبينما الجزائر سميت بلد المليون شهيد أمست فلسطين بلد المليون شهيد وجريح وأسير.

دور نضالي

ويُجمع المراقبون على أن الشعوب العربية بأكملها احتضنت القضية الفلسطينية بكل طاقتها، وبرزت الجزائر كواحدة من أكثر الدول دعما للفلسطينيين حتى الآن.

ويرى الدكتور أحمد جميل عزم أستاذ الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت بأن الجزائر لها دور تاريخي هام للغاية في القضية الفلسطينية، حيث كان فيها أول مكتب للثورة التابع لحركة فتح والذي قاده الشهيد خليل الوزير آنذاك في ستينيات القرن الماضي، حيث لم يكن في وقتها أي تمثيل للفلسطينيين في أي دولة عربية.

ويوضح بأن الجزائر منذ ذلك الحين اعتبرت منطلقاً للثورة الفلسطينية، كما أنها دولة تعطي مثالا حياً على الحرب الشعبية ضد الاستعمار؛ وبذلك استنبط الفلسطينيون هذه الفكرة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وأصبحت الفكرة الأساسية للثورة الفلسطينية.

ويضيف: “نحن تعلمنا من الثورة الجزائرية وأخذنا منها أشكال الرفض الشعبي لفكرة الاحتلال أو الاستعمار، كما أن الجزائر هي من أكثر الدول العربية إن لم تكن من القلة القليلة التي احتضنت الفلسطينيين من كل الجوانب وتحديدا في قضية الدعم المالي لأن غالبية الدول غير منتظمة في هذا الدعم ومساعدتها للفلسطينيين”.

ويشير  إلى أن قضية التباعد الجغرافي تلعب دورا في التقارب المعنوي بين الشعبين؛ حيث أنه لا توجد مشاكل حدودية أو معابر بين البلدين من الممكن أن تؤدي إلى تداخلات أو إشكاليات.

ويعتبر بأن الفلسطينيين بشكل عام “شعب عروبي” بمعنى أنه لو وصل أي منتخب عربي آخر إلى نهائيات كأس أمم أفريقيا سيكونون أول من يشجعه، ولكن هذا لا ينفي الاهتمام الكبير بالمنتخب الجزائري والذي غذاه الرياضيون الجزائريون في أكثر من مناسبة برفع علم فلسطين أو تبني فلسطين في مبارياتهم.

المغرب العربي

هذا التقارب المعنوي لم يقتصر على دولة الجزائر بل امتد ليشمل المغرب العربي؛ حيث تجد الأعلام الفلسطينية تزين مدنه بمناسبة ودون مناسبة لتترجم احتضاناً عميقا لقضية فلسطين بكل تفاصيلها.

بدوره يعزو المحلل السياسي الفلسطيني، ساري عرابي، هذا التقارب إلى تأثر الفلسطينيين بالثورة الجزائرية، حيث استلهموا منها أسلوبها وطرقها ومصطلحاتها مثل مصطلح حرب التحرير وحرب الشعب في محاكاة واضحة للثورة الجزائرية.

ويقول بأن علاقات وثيقة نسجت ما بين الثورتين في خمسينيات القرن الماضي ثم حتى بعد استقلال الجزائر، مبينا بأن الدعم الجزائري استمر للفلسطينيين عبر الضخ الإعلامي والفكري المكثف ورفع الجزائريين للشعار الشهير “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، والذي عكس الدعم اللا محدود من قبلهم ومن أعلى المستويات حتى في المناهج الدراسية.

ويشير عرابي، إلى أن التباعد الجغرافي بين البلدين كان سببا كذلك في التعلق الشديد وهو غير خاص بالجزائر وحدها، بل ينطبق على دول المغرب العربي، حيث أن دول المشرق العربي استخدمت بعضها القضية الفلسطينية لصالح الأنظمة وعلاقاتها مع الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية، ومثال ذلك الرئيس المصري السابق أنور السادات الذي استخدم حروب مصر مع الاحتلال كدعاية قبيل توقيع اتفاقية “كامب ديفيد”، وأن سبب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر هي الحروب التي خاضتها للدفاع عن القضية الفلسطينية.

وتابع عرابي: “الدول الخليجية تدفع ثمن تقاربها حاليا مع الولايات المتحدة من القضية الفلسطينية، وتروّج عبر إعلامها بأن الفلسطينيين باعوا قضيتهم؛ كما أن الفلسطينيين كانوا جزءا من الحرب الأهلية في لبنان والأردن، أي أن تداخلاً حدث مع القضية الفلسطينية في دول المشرق العربي لم يكن موجودا في دول المغرب العربي، ما عدا ليبيا، بسبب تدخل القذافي بين الفصائل الفلسطينية، فلم يكن هناك توظيفا للقضية الفلسطينية لمصالح معينة”.

العلاقة التاريخية كذلك كانت محطة هامة في غنى العلاقات الفلسطينية الجزائرية؛ حيث أن العديد من عائلات دول المغرب العربي كان لديهم طقس يسمى بتقديس الحج أي الذهاب للقدس قبل الحج أو بعده، وذلك موجود في سير العلماء والتابعين، بحسب عرابي.

ويبين المحلل، بأن جزءا كبيرا من المغاربة قاتلوا مع صلاح الدين الأيوبي وما زال حي المغاربة في القدس شاهدا على ذلك، كما أن حائط البراق الذي يسيطر عليه الاحتلال هو وقف أندلسي مشهور وهناك الكثير من المناطق في القدس، هي عبارة عن أوقاف مغربية، لافتا إلى أن هذه الأسباب التاريخية والدينية قديمة جدا منذ الوجود الإسلامي وتغذي العلاقات العميقة بين الفلسطينيين ودول المغرب العربي.

عربي21

مقالات ذات صلة