فلسطين في وجدان الربيع العربي
عماد عفانة

إذا كانت الثورات العربية شكلت، بحلوها ومرها، لحظة تحوّل جذري في العالم العربي (أعجبتنا النتائج أم لم تعجبنا، على الرغم من تفاعلاتها المستمرة)، فإن أبرز تحول يمكن رصده هنا، هو في طبيعة النظرة لطريقة العيش تحت ظل أنظمة انتهت صلاحيتها منذ زمن طويل.
استمدت أغلب الأنظمة العربية شرعيتها ليس من صندوق الانتخابات، بل من أنها امتداد لموجات ثورية تحررية من ربقة الاستعمار منتصف القرن الماضي، ولكن يبدو أن هذه الشرعية الثورية التي لطالما تغنت بالشعارات العروبية والقومية، والتي اعتلت القضية الفلسطينية، وبنت على ظهرها قصوراً من الأوهام، قد انتهت إلى غير رجعة.
الأنظمة العربية اليوم وبعد الربيع العربي، وإن لم تسقط من سدّة السلطة، وإن لم تغادر قصور الحكم، فقد سقط دورها التاريخي، وجفّت كل المنابع التي كانت تستمد منها شرعيتها، ولم يبق لها من شرايين الحياة سوى أسنة البنادق التي تحكم بها شعوبها. وفيما ينحو العالم نحو الديمقراطية وقيمها، تجذّر الأنظمة العربية نفسها كمتحف للديكتاتوريات في العالم.
في الربيع العربي، تحاول الشعوب إعادة اكتشاف نفسها وقدراتها الكامنة، فمع انقضاء جيل التحرير في أغلب الدول العربية، وهو جيل التغيير والتحرير بامتياز من الاستعمار إلى الاستقلال (وإن بكوابح سيطرة استعمارية غير مباشرة بنسب متفاوتة من دولة إلى أخرى)، فإن الأجيال الجديدة من الشعوب العربية تحاول تجربة قواها الكامنة القادرة على التغيير من الديكتاتورية إلى الحرية، ولكن تحت سقف الدولة القُطرية، بعيدا عن الشعارات العروبية والقومية، التي امتاز بها خطاب الأنظمة الديكتاتورية تبريرا للتسلط على شعوبها.
بذور الثورة والرغبة في التغيير ما زالت كامنة في الشعوب العربية، على الرغم من مرور أكثر من ثماني سنوات على بداية الربيع العربي منذ 2011، وهذه المرة تفجرت ينابيعه من السودان التي ما زالت قوى الديكتاتورية، حتى من خارج الحدود، تحاول التسلط على خياراته.
قديما استخدم مصطلح الثورة للتعبير عن الحالة الثورية لأي شعب يقاوم للتخلص من ربقة الاستعمار. أما اليوم، فأصبح مصطلح ثورة يطلق على الشعوب التي تثور على حكامها الذين يحرمونها حقها في المشاركة في الحكم والثروة، ولذلك نجد أن أشد الأنظمة محاربة للربيع العربي هي التي تأبى ليس على شعوبها فقط، بل وعلى غيرها من الشعوب، أن تشارك في الحكم والثروة، فهي أنظمة تدافع عمليا عن عروشها عبر محاولة تأبيد عروش أخرى شبيهة لها، وما جرى في دول الربيع العربي من تدخّل بعض دول الخليج خير شاهد ومثال.
استخدمت الأنظمة العربية المتسلطة شعار الصراع مع “إسرائيل” سيفاً مسلطاً على رقاب شعوبها، ولم تكتف هذه الأنظمة بخسارة كل المعارك مع العدو الصهيوني، بل وانتقلت بقرارات بعيدة عن إرادة الشعوب من دائرة العداء إلى دائرة السلام ثم دائرة التطبيع ثم التعايش والاندماج. وفلسطين التي لطالما تغنت بتحريرها تلك الأنظمة المتحجرة لن تحررها شعوب عربية جائعة أو مقهورة أو مغيبة، وما زال الأمل قائماً في أن تمتلك شعوبنا العربية قرارها وخيارها، غذاءها وسلاحها، قلمها ودواءها، حينها لن تكون بحاجة إلى مزيد من الشعارات والتعبئة للقيام بواجب التحرير، ففلسطين في وجدان شعوبنا العربية والإسلامية دين وعقيدة، قبلة ومسرى، وعنوان لعزة الأمة وشرفها.

مقالات ذات صلة