أين تتجه بوصلة الصناديق السيادية الخليجية؟

في ظل حالة عدم اليقين وتصاعد مخاطر الركود العالمي، تتجه بوصلة استثمارات الصناديق السيادية الخليجية إلى اقتناص فرصا استثمارية في الأسواق الآسيوية لتعظيم عوائدها، مع توخي الحذر والابتعاد عن مناطق عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وتوقع خبراء لـ“مباشر”، أن يشهد الأداء المالي للصناديق السيادية بدول الخليج نقلة نوعية وسط الاتجاه مؤخرا إلى الأسواق الآسيوية والابتعاد عن الفرص الاستثمارية بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مع قرب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، وتصاعد المخاف بشأن الاقتصاد العالمي واشتعال الحرب التجارية.

وقال خبراء إن الصناديق السيادية بدول الخليج تستهدف في الوقت الحالي الاستثمار الآمن ولاسيما فإن أنظارها تتجه إلى دول آسيا وبقطاعات بعننيها وفي مقدمتها قطاع التكنولوجيا.

وتأكيدا لذلك الاتجاه، قال ماسايوشي سون المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة سوفت بنك، يوم الأربعاء قبل الماضي، إن السعودية وأبوظبي تبديان “اهتماماً كبيراً” بالاستثمار في صندوق رؤية الثاني.

وكشفت شركة “سوفت بنك” النقاب عن “صندوق رؤية” ثاني يستهدف الاستثمار في التكنولوجيا، مشيرة إلى أنها حصلت على تعهدات بقيمة 108 مليارات دولار من شركات من ضمنها “مايكروسوفت.”

وتنظر الصناديق السيادية بالمنطقة إلى التكنولوجيا باعتبارها فرصة استثمارية كبيرة ذات قاعدة واسعة. وتضم 89 في المائة من تلك الصناديق مجموعة أو فريق عمل متخصص بالتكنولوجيا، مقارنة مع 48 في المائة من الصناديق العالمية.

وفي الوقت الحالي تلعب التكنولوجيا والابتكار دوراً مهماً دولة، بصفتها جزءاً من الكثير من المبادرات الإقليمية لبناء اقتصاد أكثر استدامة. إذ وضعت السعودية الابتكار التكنولوجي في صميم “رؤية المملكة 2030”.

ووفقا لتقرير أصدرته مؤسسة “إنفستكو” العالمية في يوليو/ تموز الماضي، فإن 75 بالمائة من 139 مستثمر سيادي منهم “خليجين وعرب” رفعوا نسبة الاستثمار بالصين ولاسيما بقطاع التكنولوجيا وذلك بنهاية العام الماضي، ويأتي هذا المؤشر على الرغم من تصاعد التوترات التجارية التي تصاعدت منذ النصف الثاني من عام 2018.

وأكد الخبراء لـ”مباشر” إن التوجه للتكنولوجيا اتجاه عالمي فإن الصناديق السيادية في العالم تتجه إلى هذا القطاع الذي أصبح هاما في شتى المجالات الاقتصادية لاسيما بعد اثبات دول آسيا تفوقها عالميا فيه.

3 سنوات

واستثمرت صناديق الثروة السيادية حول ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار في شركات التكنولوجيا غير المدرجة في 2018، وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات، مع انكماش أسواق الأسهم بسبب تراجع الطروح العامة الأولية وعمليات إعادة شراء الأسهم الضخمة.

و شهد عام 2016 ضخ الصناديق بالخليج استثمارات تكنولوجية متنوعة، أبرزها استثمار مجلس أبوظبي للاستثمار في شركة “سبوتيفي”، وكذلك صندوق الاستثمارات العامة السعودي في شركة “أوبر”، إلى جانب استثمار هيئة الاستثمار الكويتية في شركة “جاوبون” الأمريكية.

آفاق النمو

وقال إياد أبو حويج – المدير العام لشركة الشركاء المتحدون للاستثمار إن صناديق الثروة السيادية الإقليمية والخليجية سوف تبحث عن زيادة التعرض في أسواق شرق وجنوب شرق آسيا بسبب آفاق النمو الفائقة المعروضة في هذه الأسواق.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لشرق آسيا وجنوب شرق آسيا 4.8 بالمائة و 5.1 بالمائة على التوالي بين عامي 2019 و 2024.

ورجح الصندوق أن يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في أمريكا الشمالية وأوروبا 1.8بالمائة و 1.7 بالمائة ، على التوالي ، بين عامي 2019 و 2024.

وأوضح  أبو حويج أن من الدوافع إلى ذلك  التحسينات في العلاقات السياسية والاقتصادية بين دول المنطقة ودول شرق وجنوب شرق آسيا والتي أدت إلى زيادة اهتمام المستثمرين المحليين بالاقتصادات والاستثمارات الآسيوية.

وقال أبو حويج: “شهدنا نموًا في الاستثمارات الثنائية والتجارة بين الاقتصادات الإقليمية والاقتصادات الآسيوية. ومع ذلك ، فقد جاء نمو التجارة بين الاقتصادات الإقليمية والاقتصادات الآسيوية على حساب التجارة مع أمريكا الشمالية والاقتصادات الأوروبية”.

ولفت أبو حويج إلى أن عدم اليقين المتزايد في المشهد السياسي الأوروبي وملاحظة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في صناديق الثروة السيادية الإقليمية التي ترسم معالم الشرق ساهمت في ذلك التوجه.

اقتناص الفرص

وبدوره أشار الخبير الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي إلى أن النمو المطرد الذي تشهده تلك بلاد آسيا رغم تأثر بعض النمو بالتوترات الأميركية الصينية يدفع أنظار الاستثمارات السيادية بالمنطقة اليها.

وهددت الصين بالانتقام إذا واصلت الولايات المتحدة سياستها في تطبيق مزيد من الزيادات في التعريفات الجمركية، في إشارة إلى الرسوم المقرر تطبيقها على الواردات من بكين بدءًا من الشهر المقبل.

وأكد  أن الرغبة في التنوع واقتناص الفرص الجيدة لخدمة التوقعات المستقبلية لاقتصاديات دول المنطقة من العوامل الرئيسية في تحديد بوصلة تلك الصناديق السيادية.

ولفت إلى أن أزمة البريكست والتداعيات الكبيرة المتوقعة على الاقتصاد البريطاني حال الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق وخصوصا أن رئيس الوزراء الجديد يؤيد ذلك سيدفع تلك الصناديق في الابتعاد عن الأسواق الأوروبية  بالوقت الحالي.

الصناديق السيادية

والصناديق السيادية بصفة عامة تتكون أصولها من أموال ضخمة مملوكة لحكومات، وتستثمر بشكل رئيسي بالأسهم والسندات الدولية، وتلعب هذه الصناديق التي تعد عائدات النفط المصدر الأساسي لأموالها دوراً رئيسياً في تحريك الأسواق العالمية.

وكانت الكويت أول دولة تؤسس صندوقاً سيادياً في العالم عام 1953، تحت اسم “الهيئة العامة للاستثمار”، وتبعتها بعدها باقي الدول الخليجيَّة والعالميَّة.

ويتم تمويل معظم صناديق الثروة السياديَّة من عائدات صادرات السلع الأساسية، أو من احتياطات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية، وتتغير البيئة الاستثمارية لصناديق الثروة.

ويأتي ذلك وفقاً لتغيرات المشهد الاقتصادي، مثل برامج التخفيف الكمي، وانخفاض النمو في كثيرٍ من المناطق، وتحديات الاقتصاد الكلي لصناديق الثروة السياديَّة، وتعتبر عائدات النفط المصدر الأساسي لتمويل الصناديق الخليجية.

كم صندوق خليجي؟

ووفقاً لأرقام نشرتها مؤسسة صندوق الثروة السيادي العالمية (إس دبليو إف آي) مؤخراً فإن أربعة دول الخليج تمتلك 14 صندوقا سياديا بأصول تقدر قيمتها بنحو يتجاوز 2.2 تريليون دولار لتقتنص ما يقرب من 29 بالمائة من إجمالي حجم تلك الصناديق عالميا والذي قدر مؤخرا بنحو 7.7 تريليون دولار.

وخلجيا، تعود ملكية 7 من تلك الصناديق السيادية إلى الإمارات، وتمتلك السعودية وعمان 4 صناديق بواقع صندوقين لكل دولة، بينما تعود ملكية ثلاثة صناديق إلى دول الكويت، والبحرين، وقطر.

ومن حيث الحجم يتصدر جهاز أبو ظبي للاستثمار، أحد أكبر صناديق الثروة السياديَّة في العالم، المرتبة الثالثة في قائمة أكبر تلك الصناديق عالمياً، والمرتبة الأولى خليجياً.

مباشر: محمود جمال

مقالات ذات صلة