غزة لن تنحني رستظل تقاوم
د.أحمد يوسف

غزة لا تدَّعي البطولة المطَلقة أو أنها رامبو أو سوبرمان هذا الزمان، ولكنها بفخر تقاوم الاحتلال، وتحافظ على حيوية خزان الثورة الفلسطينية، وأن حق العودة وراءه من المطالبين في القطاع أكثر من مليون ونصف المليون من اللاجئين، وهي بحراكها الدائم ومقاومتها تُذكِّر العرب والمسلمين بواجبهم تجاه القضية المركزية للأمة وهي الأقصى وفلسطين.

غزة في الميثولوجيا الفلسطينية هي العنقاء التي تطل برأسها من تحت الرماد، وتخرج مغردة من بين أنقاض الموت والدمار، وهي ينبوع التضحيات وقوافل الشهداء، وهي قاطرة الكفاح المسلح، وصوت النداء: يا خيل الله اركبي!!

إن مشاهد المقاومة اللاعنفية على حدود قطاع غزة، والحماسة وقوة الدفع للحراك الثوري في مسيرات العودة وكسر الحصار يتصدرها – اليوم – ويقودها أبناء القطاع من الشباب، ويديرونها كرسالة إعلامية بامتياز.

لن تركع غزة ولن تستسلم، حتى وإن تضورت جوعاً، وأنهكها ما هي عليه من حالة الفقر والحاجة، فستبقى بشبابها أرضاً خصبة لحركات الجهاد والمقاومة، وبحراكها الواسع سوف تظل تذكِّر الجميع بمأساة اللاجئين وبحق عودتهم الذي يأبى النسيان.

لقد انطلقت فكرة المقاومة المسلحة من عقول رجالها بعد النكبة مباشرة، وتحركت الفكرة بين أبنائها الذين رضعوا لبان التشرد والحرمان داخل المخيمات وفي الشتات أواخر الخمسينيات، وكان من بين هؤلاء القادة الشهداء: ياسر عرفات وأبو جهاد وأبو إياد وأبو يوسف النجار وكمال عدوان وآخرون.

كانت انطلاقة حركة فتح المباركة في منتصف الستينيات، بإعلانها الرسمي عن بدء انطلاقة العمل المسلح، والتي سبقها في ايار 1964 تأسيس منظمة التحرير، والتي رسمت معالم النضال الفلسطيني، حيث تحرك الكل الوطني تحت مظلتها؛ باعتبارها الإطار الجامع للوطن والهوية الفلسطينية. لقد حققت منظمة التحرير الكثير لفلسطينيي الداخل والشتات، حيث استنهضت المشاعر الوطنية والنضالية، وارتقت باستعدادات الشباب للتضحية والفداء، من أجل مواجهة الاحتلال واستعادة الوطن السليب.

جاءت انتفاضة الحجارة في كانون الأول 1987، وكان قطاع غزة بمدنه ومخيماته هو العنوان النضالي الأبرز في حراك الثورة وتحدي جيش الاحتلال، وتذكير الإسرائيليين بأن فلسطين وأقصاها لن تُنسى ولن تغيب مطالب شعبنا بأرضه المباركة للعالمين.

نعم؛ انسحب الاحتلال من قطاع غزة بعد اتفاقية أوسلو 1993 في واشنطن، وعادت القيادة الفلسطينية كربان للمشروع الوطني، وتحقق ما اعتبره البعض نشوة الانتصار، حيث انتعشت آمال شباب المخيمات بالعودة والتحرير الكامل. ولذلك، سرعان ما اندلعت انتفاضة الأقصى، وجلبت إلى فعالياتها الكثير من الشباب والمناضلين، إذ لم يتخلف أحد من شعبنا عن دعمها كونها ساحة للجهاد والمقاومة، وكان للإسلاميين حظ وافر من المشاركة والحضور النضالي، وإرباك حسابات الأعداء.

كانت العمليات الاستشهادية هي الرد على تغول الاحتلال وسطوة آلته العسكرية، ولقد نجحت إسرائيل – إعلامياً وسياسياً- في إلباس المقاومة ثوب الشيطان واتهامها ظلماً بالتطرف والإرهاب، وقد ساعدت أحداث 11 ايلول 2001 المأساوية في نيويورك وواشنطن بتغذية الشعور العام العالمي بالعداء والتحامل على العرب والمسلمين، وطال المقاومة الفلسطينية المشروعة من حملات التحريض والتشويه وخطاب الكراهية هذا جانب، وقد كان للدهاء الإسرائيلي وقدرات الماكينة الدعائية الصهيونية في الغرب من مغالبة خطاب المظلومية الفلسطيني، والذي أخفق لضعف إمكانياته وأدواته من تحقيق اختراق جوهري لجدار الكراهية الذي بنته إسرائيل ضد الفلسطينيين، فكان مع حالة الإسلاموفوبيا في الغرب، أن صار الإعلام الغربي هو ذراع الجلاد الإسرائيلي لحشد التأييد لهذا الكيان الصهيوني ودولته المارقة، برغم الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي وجرائم الحرب التي تقترفها، والجرائم بحق الإنسانية التي تلازم اعتداءاتها المتكررة على قطاع غزة.

مسيرات العودة..

إيقاد شعلة المقاومة السلمية

جاءت فكرة مسيرة العودة الكبرى كاجتهاد لهبَّة شعبية يقودها شباب قطاع غزة، بهدف استنهاض الكل الفلسطيني وتحريك ملفات القضية إقليمياً ودولياً، حيث أخذت أبعادها تغيب عن المشهد العالمي لصالح الرواية الإسرائيلية، فجاءت هذه الهبَّة من قطاع غزة بأمل استعادة زمام المبادرة، وشق الطريق أمام الرواية الفلسطينية بغرض الوصول للرأي العام العالمي والمنصَّات والمحافل الدولية.

كان الشعور العام بأن هذا الحراك الذي انطلق من غزة، سيقابله بالمثل حراكاً آخر في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر وعلى خطوط التماس في مناطق الشتات الفلسطيني، بحيث لا يقل التأثير والأثر عن مجريات الفعل النضالي في قطاع غزة، ولكن – للأسف – بقيت غزة تقاوم وحدها، بل تعاظم ضغط العقوبات عليها في محاولة لكسر إرادتها ودفعها للتراجع عن هبَّتها الشعبية.

لن نلوم معسكر الاعداء وحده؛ لأن هناك من شارك في ممارسة المزيد من الضغوط على شعبنا المقاوم، ودفع شبابنا مع حالة الخذلان والاحباط ليشد رحاله باتجاه الهجرة للغرب؛ باعتبار ذلك هو السبيل لتوفير حياة حرة كريمة يجد فيها المرء إنسانيته، أما الأوطان فلن تختفي، وستكون العودة إليها عندما يتحقق الوعد “حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

انتكاسة وتساؤلات!!

لا شكَّ أن نموذج الحكم الرشيد لم يتحقق على ساحة الوطن المحتل، ولم يتمكن ولاة أمور شعبنا بأيديولوجياتهم المختلفة، ووعودهم التي لم تؤت أكلها، إنجاز شراكة سياسية وفق تفاهمات يتم التراضي عليها، وظل الانقسام وعقلية الاقصاء هي منطق أصحاب الأيدولوجيات، التي لا يخلو منها فصيل أو تيار فلسطيني؛ لأنها غدت حالة سرطانية تمكنت من الجميع، وإن ادَّعى البعض منهم أنهم يجتهدون في علاجها من جذورها باستخدام الأدوية العصرية، ولكن – للأسف- دون جدوى.

إن قدر غزة أن تظل تقاوم ، وأن تتضور جوعاً ، وألا تجد من يأخذ بأيديها؛ لأنهم يريدونها أن تأتي كسيرة مهيضة الجناح بلا عنفوان أو عزة!!

إن علينا أن نقر ونعترف بأننا جميعاً قد خذلنا شباب هذا الوطن، وأن ما تمثله قيادات هذا الشعب بمختلف انتماءاتها الحزبية والدينية إنما هي حناجر وألسنة ترغي وتزبد!! ولا خير في كثير من نجواهم. إنهم يعلمون بفشلهم وظلمهم وغياب الأهلية لاحتضانهم والحفاظ على شعبيتهم، لذلك تراهم يُعطلون كل محاولة للتغيير والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات، ولا يسمحون للعملية الديمقراطية أن تسود ثقافتها بين الناس، فانتخابات النقابات المهنية والاتحادات العمالية والطلابية يتم التفاهم حولها في الغرف المغلقة، لتقاسم المناصب والامتيازات، فالبلديات وهي قطاع خدمي يتم الاستحواذ عليه لجهات السلطة الحاكمة، ويتم تعطيل الانتخابات فيها أو العمل على إجرائها بالشكل الذي يضمن وصول أحد الذين لا يقطعون لتلك الجهات أمراً، حتى الانتخابات التنظيمية الداخلية في بلادنا تمرَّس “الكل الفلسطيني” على إجرائها بطريقة “الكولسات”، حيث يتلاعب الكبار باتجاهات الأصوات للحفاظ على مواقعهم والامساك الدائم بزمام الأمور، ومدخلهم في ذلك أنهم الأمناء على المشروع الوطني أو الحركي، خشية أن يصل لسدة القيادة في السلطة أو التنظيم من لا يتمتعون بالأمانة والثقة!! منهجية مضللة لا تمت للعملية الديمقراطية أو المنظومة القيمية بشيء!!

ختاماً.. إن قدر غزة وشعب غزة وشباب غزة هو حماية مشروعنا الوطني، وأن تظل هذه المخيمات – رغم بؤسها وقلة حيلتها – تنتج الأحرار والحرائر للحفاظ على الحق الفلسطيني قائماً، وأن يقتسم أهلها كسرة الخبز وما تيسر من خشاش الأرض لحماية العَلم والنشيد وحيوية الضمير المفعم بالنضالية والوطنية إلى أن يتحقق الوعد وما عقدنا عليه العزم من تحرير الأرض.

غزة لن تنحني برغم وجع الجوع والحاجة، وستظل تقاوم بسيف الكرامة وإن خذلها من ترجو نخوته من ذوي القربى الوطنية والقومية، لتصنع من جُرح المحنة والألم منحةً ووطناً.

مقالات ذات صلة