الانفكاك الفلسطيني شبه المستحيل
مجد أبو عامر

مرَّ وقتٌ على الخطوة الرسمية الفلسطينية بوقفِ تنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع دولة الصهاينة. القراءة البسيطة غير المعمّقة تدلُّ على أن أعلى مستوى قيادي فلسطيني، مُمثّلًا بالرئيس محمود عباس، اتّخذَ خطوة سياسية طابعها المُباشر إعلامي احتجاجي، هي صرخة مدوية في وجه الصهاينة، وفي وجه العالم الذي أصبحَ غير مبالٍ بالمأساة الفلسطينية، صرخة احتجاج بصوت عالٍ، إن ما تقومُ به قوات الاحتلال من تهويدٍ وتدميرٍ وتجريفٍ ومصادرة أراضٍ وأموالٍ، وانتهاكاتٍ وصلت حدّ تدمير منازل عشرات السكان في منطقة وادي الحمص تتطلبُ موقفًا مُغايرًا عما سبق.
خطوةٌ تجعلُ المواطن الفلسطيني يشعرُ بأنّ الكيل قد طفح رسميًا أيضًا، وأن القيادة والشعب في خندقٍ واحد. المواطن الفلسطيني كفرَ بكل من ينادي بالسلام مع الصهاينة. لم يلمس المواطن الفلسطيني من هذه المناداة أي تغييرٍ في السلوك الصهيوني، على الرغم من كل إجراءات الثقة التي حاولت القيادة الفلسطينية إظهارها قولًا وفعلًا، في سعيها إلى تأكيد أنّ السلام ممكنٌ، وأنّ عملية التسوية يمكنها أن تُنتج تسويةً مقبولة، إذا صدقتْ النيات، والتزمت دولة الاحتلال بما وقّعتْ عليه، وبما أقرّه المُجتمع الدولي من قرارات، عبر مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن النتائج كانت وما زالت مُخيّبة للآمال، ولا يوجد اليوم حزب صهيوني واحد يقبلُ صنع السلام مع الشعب الفلسطيني، والمجتمع الصهيوني يميلُ نحو اليمين، واليمين المتطرّف.
لم تجلب اتفاقيات إعلان المبادئ، وما تلاها من تفاهمات فلسطينية – صهيونية، وبرعاية أميركية أو دولية، إلّا مزيدًا من الاستيطان والتدمير والحواجز والعوائق، وكلّ ما يجعل الحياة في فلسطين جحيمًا لا يُطاق. الخطوة الفلسطينية التي اتخذها الرئيس عباس كان لا بدّ منها، إذ كان لا بدّ من الوقوف في وجه الصهاينة، وهذا التصريح الإعلامي ذو البعد السياسي (رحّبت به غالبية الفصائل الفلسطينية) كي يُصبح ذا قيمة، بحاجة إلى خطوات وأليات تنفيذ عملية، وهي ليست بالسهولة التي يعتقدها بعضُهم، فالاتفاقيات والتفاهمات والترابط بين الاقتصادين، الفلسطيني والصهيوني، ليست ورقة تُمزّق فقط، وتصريحا إعلاميا يُدغدغ الأحاسيس والمشاعر، بل شعب وأرض ما زالا تحت الاحتلال. لذلك، ليس كل من يشكّك في إمكانية التطبيق وترجمة ما قيل من الرئيس عباس، عدوا للسلطة ولا مستهزئا بها، بل ينطلقُ من رؤية سياسية واقتصادية، ترى ما لم يره المُتابع العادي، وهو أنّ لا سيادة فلسطينية على الأرض والحدود، ولا يمكن حصول انفكاك، إلا باتفاق مع المحتل أو إجباره على ذلك، وإجباره على ذلك لا يتمُ إلا بالتحرير، والتحرير هنا يعني دحره عسكريًا؛ أي تحرير الأرض بقوة السلاح، وهذا أمرٌ في الظروف الحالية غير ممكن إلى درجةِ البداهة.
لذلك، ما زال الجمهور الفلسطيني يتساءلُ عن الخطوات التي ستُنفّذ. ينتظر شكلها وطبيعتها. وفي انتظاره هذا، يملأهُ الشكُّ بحدوث خطواتٍ جادّة. يعتقد مُعظم الفلسطينيين أن تصريح الرئيس والقيادات الفلسطينية مجرّد تلويح لا أكثر، فالأمور لن تصل إلى مرحلة الإلغاء. ما يُمكن فعله فلسطينيًا قد تمّ بالفعل، فمنع التحويلات إلى المستشفيات داخل دولة الاحتلال خطوة مُهمّة وفعّالة، فقد أدّت إلى خسائر للاقتصاد الصهيوني قد تصل إلى مليارات الشواكل، ويُمكن اتّخاذ إجراءات أخرى، كمقاطعة البضائع القادمة من دولة الصهاينة، إذا توفرت بدائل محلّية وطنية. ويُمكن تقليص التعاون الأمني، كذلك يُمكن اتّخاذ خطوات اقتصادية، لن تكون ناجعة وبمستوى السياسة الصهيونية المُمنهجة والمدعومة أميركيًا، مهما تصاعدت، وستكون تحت سقف الاتفاقيات والتفاهمات، لا انقلاب عليها أو انفكاك منها. وتبقى الجوانب الأمنية منها الأصعب تطبيقًا، فالإلغاء الذي يرغبُ به معظم أبناء الشعب الفلسطيني يعني، بشكل أو آخر، إلغاء السلطة الفلسطينية التي هي نتاج هذه الاتفاقيات، الأمر الّذي تترتبُ عليه عودة الاحتلال المُباشر، وفتح معركة ومواجهة مفتوحة مع الاحتلال غير مضمونة النتائج، وقد تُصبح خارج  السيطرة، بفعلِ دخول عوامل شتّى في خضمها، منها ما هو ذو روابط إقليمية، وتحديدًا إيران وحزب الله، أو عودة الإدارة المدنية إلى التجمّعات الفلسطينية، مع إجراءات صهيونية مُعلنة بضمِّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية. كما أنّ هذا الإلغاء المنشود يعني، فيما يعنيه، بدء موجة من الأخطار الّتي تُهدد استقرار الكيان الغاصب. لذلك تحتاج الخطوات دراسةً متأنية وتصعيدا متدرّجا ومغامرة. والمغامرات إذا حُسبت بالورقة والقلم، لا تعود كذلك، بل مُقامرة قد تربحُ أو تخسر. أمّا الربح، فيكمن في تحرّك العالم الغربي لإنقاذ الكيان الغاصب، فإذا لمسَ الغرب أنّ الخطوة الفلسطينية نهائية، وذات بعد استراتيجي لا تكتيكي، لرأيناه مشدوهًا يترقبُ تفاعلات الحدث. ولكن، وعلى ما يبدو، لم يأخذ أحدٌ الإعلان الفلسطيني على محملِ الجد، بما في ذلك دولة الاحتلال، وعدم وجود رد فعل صهيوني على الحدث، يدلُّ على أن الصهاينة استوعبوه كرد فعل صاخب وتهديد وتحذير، على عمليات الهدم لا أكثر!
من التحليل أعلاه، أغلب الظن أن هذه الصرخة الإعلامية السياسية الفلسطينية تشبهُ نظيراتها فيما سبق، من تصريحاتٍ لا تتعدّى التهديد بالقيام بخطوات مُماثلة، وحينها لم يحدث شيء على الأرض، وهذا ما يجعل الخطوة التي تُمثّل حدثًا كبيرًا تبدو غير ذلك في نظر الصهاينة، بل وحتى الفلسطينيين، إذ تعبر نخب الشعب الفلسطيني في معظمها عن الشك في القدرة على التنفيذ، فحسابات الحقل ليست كحسابات البيدر. وعدم القدرة على التنفيذ لا يعني عدم الرغبة، فعلى العكس، الإرادة موجودة، لكنها بحاجة إلى مجموعة معطيات وقدرات وعناصر قوة، غير متوفرة لا عربيًا ولا دوليًا، بل وفلسطينيًا حتّى.
عربيًا هناك شبه تجاوب عربي مع إدارة الرئيس الأميركي، ترامب، تجاه التطبيع مع دولة الصهاينة، بدأت بزيارات ومؤتمرات في وارسو والمنامة، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وزيارات لوزراء وقيادات صهيونية لدولٍ عربية، وكذلك هناك عدم التزام عربي بتنفيذ ما اتفق عليه من تأمين مظلّة مالية عربية للسلطة الفلسطينية (مائة مليون دولار شهريًا)، حتى تستطيع الانفكاك عن الصهاينة وتحدّي قراراتهم بسرقة الأموال الفلسطينية. ودوليًا، يبدو أن العالم مُنشغل بأزمات أخرى، غير الأزمة الفلسطينية، كالصراع التجاري بين الولايات المتحدة مع الصين وروسيا وأوروبا، والصراع مع إيران، والأزمة في فنزويلا، والأزمة السورية، والروسية الأوكرانية. وفلسطينيًا، الفلسطينيون في أسوأ أحوالهم، في ظل انقسام تحوّل الى انفصال مستدام، فالسلطة لا تملكُ أي سلطة فعلية على قطاع غزة، وحركة حماس تتخذُ القرارات التي تخدم مصالحها واستراتيجياتها الضيقة، وآخرها وصف نفسها بأنها خندق إيران المُتقدم في الصراع مع دولة الصهاينة، ولا تنظرُ إلى علاقاتها مع المحتل ضمن السياسة الفلسطينية الوطنية، إذ أصبحت غزة الحمساوية وحاجاتها هي الشغل الشاغل، بينما تدارت غزة الوطنية خلف احتياجات “حماس” المالية واللوجستية.
تبدو التصريحات سهلة، ولكن التنفيذ ليس كذلك. الأعمال بالنيات، والنية الفلسطينية بالانفكاك عن الاحتلال أمنًا واقتصادًا، حقيقية، وجزء من استراتيجية الشعب الفلسطيني بالاستقلال والحرية، لكنّ النّيات لا تكفي، ورفع القبضات في الهواء لا يكفي، طالما أنّ الرياح تعصفُ من حول فلسطين. عدم ملاءمة الظروف مع النيات لا يعني أنّ وسائل المقاومة معدومة، فالفلسطينيون باتوا يمثلون الأغلبية الديمغرافية ما بين النهر والبحر. وفي عام 2022، سيصبحون أغلبية أكبر، وهذا ليس أمرًا ثانويًا، بل أحد أسس الصراع مع الصهيونية، فالصهاينة كان هدفهم إخلاء الأرض من سكانها، لكنهم تجذّروا وتكاثروا وقاوموا وأفشلوا خطط الصهاينة التي تتلخّصُ في الإجلاء والإحلال، الهدم مقابل الاستيطان. ربما استطاع الفلسطيني، بخطوته الاحتجاجية تلك، شد لجام الحصان العربي، وإبطاء هرولته تجاه التطبيع المجاني مع العدو الصهيوني. وربما جعلَ أوروبا والولايات المتحدة تلتفتُ إلى أن هناك خطوة شمشونية فلسطينية، باتت قاب قوسين أو أدنى، وما الإعلان إلّا سقوط الحجر الأول من جدران المعبد.

مقالات ذات صلة