هذه مخاطر القومية السعودية المتطرفة

السياسي – نشر موقع “ناشونال إنترست” مقالا للكاتب والمحلل في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “ستراتفور” رايان بول، يقول فيه إن السعودية استبدلت نموذجا متطرفا في العلاقة بين الحاكم والمحكوم بنموذج متطرف آخر.

ويبدأ بول مقاله بالقول إنه “في الوقت الذي تعيد فيه السعودية تعديل عقدها الاجتماعي؛ لتبتعد عن الدين إلى الوطنية، فإنها تقوم بحرف السلطة من المتطرفين الدينيين الذين أثروا على سمعتها وأمنها، إلا أنها منحت القوة لنسخة جديدة من القومية المفرطة، التي وإن لم ترغب بتحقيق العنف والخلافة العالمية، كما أراد المتشددون مثل أسامة بن لادن، إلا أن ممثلي الموجة الجديدة يمثلون خطرا ليس فقط على سمعة المملكة، بل أيضا على جاراتها المستقلة فكريا، وعلى علاقاتها مع الغرب”.

ويقول الكاتب إن “ولي العهد محمد بن سلمان ومساعديه من القوميين المتطرفين، مثل سعود القحطاني وعملائه في مركز دراسات الشؤون الإعلامية، قاموا بشن حملة واسعة ضد الناشطين والأكاديميين والشخصيات العامة، لتحويل العقد الاجتماعي السعودي من ديني – قبلي إلى قومية حديثة، وما يدفع هذا التحول عدة أمور وفي مركزها العقد الاجتماعي السعودي الذي عفا عليه الزمن”.

ويشير بول إلى أن “المؤسسة الدينية قامت، خاصة بعد حصار الحرم عام 1979، بربط المجتمع السعودي مع العائلة المالكة، لكن التدين السعودي يتغير بشكل قوض من قوة رجال الدين لجذب المؤيدين إليهم، ولم يعد نظام الرفاه الاجتماعي من المهد إلى اللحد قابلا للحياة، ففي الماضي كانت الرياض تستطيع ضخ الأموال للمواطنين والمناطق لشراء الولاء، إلا أن الدولة تجد اليوم نفسها أمام تحد لتحويل السكان إلى مواطنين منتجين والاستفادة من القطاع الخاص الذي يتطور، ولأن أعمدة الدين والاقتصاد ضعفت في المملكة، فإن الأخيرة بحثت عن القومية كونها وسيلة لشحن العلاقة المتوترة بين الحكام والمحكومين”.

ويرى الكاتب أن “هذه خطوة مثيرة، خاصة أن القومية السعودية فكرة جديدة، ولم يتم الاحتفال بالعيد الوطني السعودي إلا عام 2005، والاعتراف به يوم عطلة، ولم تبدأ العطلة تأخذ زخما في القطاع العام إلا في السنوات الماضية، وكان ملوك السعودية ينظرون للقومية على أنها نوع من التودد للقوى المعادية للملكية والقومية العربية التي تبناها جمال عبد الناصر، ولهذا السبب حاولوا تقييد نموها، واليوم تقوم المملكة بتبني هذه الفكرة وبحيوية بالغة لتعزيز عقدها الاجتماعي”.

ويفيد بول بأنه “على هامش الحركة القومية النامية فإن هناك قومية مفرطة مكونة عادة من الرجال والشباب الذين يحرسون وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض الأحيان على وسائل التواصل الناطقة باللغة الإنجليزية، وساعدوا على خلق رواية جديدة لسمعة المملكة، وأسسوا لخطوط حمراء يجب على الرياض أخذها في الاعتبار عندما تفكر بتشكيل سياسات، ففي عام 2018 وحده قاموا بإثارة التوتر الكندي السعودي، ورحبوا باعتقال الناشطات المطالبات بحقوق المرأة، وأثنوا بحماس على الإعدامات الجماعية للمعارضين السياسيين، وبرروا جريمة قتل وتقطيع جمال خاشقجي، وتحملوا في الوقت ذاته مسؤولية الحفاظ على النظام العام، وهو الدور الذي كان رجال الدين يتحملونه”.

ويجد الكاتب أنه “في الوقت الذي تختفي فيه محرمات المؤسسة الدينية تحل محلها القومية المفرطة، وتقوم بقيادة الرأي العام، وأحيانا تكون القومية المفرطة وسيلة مفيدة للحفاظ على النظام العام وتشكيل سياسات، ومع حصول القومية على مصداقية يصبح عدم ارتياح المؤسسة الدينية تجاه الإصلاح الاجتماعي غير مهم، خاصة فيما يتعلق بالسماح للمرأة بقيادة السيارة والعمل والسفر بحرية، بالإضافة إلى أن هذه القومية المفرطة تسهم في عزل المتطرفين الدينيين داخل السعودية، فرغم الضربة التي تعرضت لها الدعاية الجهادية بهزيمة تنظيم الدولة، إلا أن الشباب في قلب المناطق الداخلية ممن حرموا من منافع التحولات المتسارعة لا يزالون يجدون عزاء في الدعاة المتشددين”.

ويرى بول أنه “قد تكون لهذه القومية منافع عسكرية، حيث سيجد الجنود فيها إلهاما للتضحية والدخول في عمليات خطيرة، بالإضافة إلى أنها تسمح للرياض بتبني نهج صدامي مع منافسيها، مثل إيران، وتخفيف التعب البادي من طول التدخل السعودي في اليمن”.

ويلفت الكاتب إلى أن القومية المفرطة كانت في بعض الأحيان خطرا على السمعة والسياسة في سياق محاولات السعودية جذب المستثمرين الخارجيين وبناء تحالفات استراتيجية، وكان القحطاني مسؤولا على نطاق واسع في العملية الفاشلة التي أدت إلى مقتل جمال خاشقجي، ووترت علاقة السعودية مع الكونغرس، وقادت القومية المفرطة الجهود في الشجار الذي حدث بين السعودية وكندا في آب/ أغسطس 2018، بحيث عرضت العلاقة الطويلة في التعاون التعليمي للخطر، وأدت إلى قطع العديد من الطلاب دراساتهم هناك، بالإضافة إلى أنها أثارت التوتر مع إيران، ففي افتتاحية نشرتها صحيفة (أراب نيوز) في أيار/ مايو 2019، دعت الصحيفة، التي تعد جزءا من شركة التسويق والأبحاث التي تعد عجلة رئيسية في دفع الخطاب القومي، إلى غارات عسكرية عقابية ضد إيران، وانتقاما للهجوم على ناقلات النفط في خليج عمان والغارات الصاروخية التي ينفذها الحوثيون ضد السعودية”.

وينوه بول إلى أن “التطور المستمر لمفهوم الكرامة الوطنية يمثل تحديا دبلوماسيا لكل من الرياض وحلفائها، فهي وإن لم ترحب بالمواقف الأجنبية تجاه شؤونها الداخلية، إلا أنها تجاهلت الرأي العام باسم أمن الدولة، كما فعلت عندما بررت استقبال القوات الأجنبية بقيادة أمريكية عام 1990 لطرد القوات العراقية من الكويت، وكما فعلت في الفترة الماضية عندما توصلت لتفاهم مع إسرائيل لمواجهة إيران”.

ويبين الكاتب أنه “علاوة على هذا، فإن القوميين المفرطين أظهروا قلة تسامح مع الخروج عن الرأي، ونالت قطر القسط الأكبر من هجماتهم، وأصبح الحصار المفروض عليها مشبعا بنغمة قومية لا يمكن التخلص منها لو وجدت الرياض لاحقا نوعا من التفاهم مع الدوحة، وقد تواجه الكويت وعمان مستقبلا هجمات هؤلاء، وكان سلطان عُمان، قابوس بن سعيد، مستقلا للتعامل مع إيران وقطر، ولمواجهة ضغوط الرياض، وكان السلطان قابوس سببا في إفشال خطة سعودية لتقوية مجلس التعاون الخليجي وتحويله إلى وحدة عام 2013، وهو ما أغضب السعودية وطموحها لتحويل المؤسسة الخليجية لمؤسسة أكثر قوة قادرة على مواجهة التأثير الإيراني”.

ويشير بول إلى أن “عُمان لم تنضم إلى التحالف السعودي ضد قطر، وقامت بدعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 لتقوية تحالفها مع أمريكا، وسمحت لبريطانيا بفتح قاعدة عسكرية لها في عُمان، وهي الأولى منذ عام 1970، فيما تواجه العلاقة الكويتية السعودية تحديا من ناحية الخلاف على حفل نفطي حدودي”.

ويختم الكاتب مقاله بالقول إن “القومية السعودية ربما تحظى بدعم لتقف ضد المطالب الخارجية الداعية لتغيير سلوكها، فمع زيادة الضغوط عليها لتغيير نهجها في اليمن، وتصحيح ملف حقوق الإنسان، فإن القومية تصبح وسيلة للتأكيد على سيادة البلاد، وهذا تحول عن أيام جورج دبليو بوش، الذي ضغط على الملك عبد الله لعقد انتخابات محلية، وسيجد حلفاء أمريكا أنه كلما حقق القوميون مكاسب أصبحت عقول المسؤولين أكثر انغلاقا”.

مقالات ذات صلة