قراءة في دفتر قديم
حميد سعيد

سعد حجازي من تلميذ موهوب إلى دكتور فاعل
تواصلت علاقتي بالقراءة طويلاً، ولا أبالغ حين أقول كان هذا التواصل على امتداد العمر كله، فمنذ أن بلغت في دراستي مرحلة “فك الخط” وأنا منهمك في القراءة، اقرأ كل ما تصل إليه يدي، من صحف ومجلات وكتب، وأقرأ في البيت والفندق والمقهى، في السيارة والطائرة والقطار، في أوقات من الليل ومثلها من النهار، في الحل والترحال.

وقضيت أوقاتاً طويلة في المدن التي أقمت فيها، في مكتباتها العامة، وأفدت من مكتبات معارفي وأصدقائي الخاصة، وأنشأت مكتبات خاصة بي، كانت الأولى في بيت والدي بمدينة الحلة، ظلت فيه حتى نكبة الاحتلال في سنة 2003 ومن ثم لا أدري إلى أي مآل قد انتهت، كما أنشأت مكتبات، مهمة أو متواضعة، حيث أقمت طويلاً.

أما مكتبة العمر فقد أنشأتها في بيتي ببغداد، وهي هناك إلى الآن مذ غادرت بغداد وأقمت في عمان منذ أوائل شهر سبتمبر من سنة 2003 إلى يومنا هذا.

وصارت لي علاقات بأصحاب المكتبات وباعة الكتب في جميع المدن التي أقمت فيها أو ترددت عليها، ترقى في كثير من الأحيان إلى حالة صداقة متميزة، بل أن بعض الكتبيين تواصلت صداقتي معهم وامتدت إلى أبنائهم، ومثل هذه العلاقات أقمتها مع بعض الكتب التي أكاد أعرف تاريخها، بل سيرتها الذاتية، متى اقتنيتها ومن أي مدينة ومن أي مكتبة فيها، ومتى قرأتها وماذا أفدت منها ومتى عدت إليها ولمن أعرتها، فإذا فقدتها أصابني الغم على فقدانها، وقد أتحدث عنها، كما أتحدث عن صديق عزيز، ولي مع بعضها ما يمكن أن أحسبه مفاجأة، إذ أقتنيه من بائع متجول أو من عربة متواضعة من دون معرفة مسبقة به أو بمؤلفه وبثمن زهيد جدا، لكنني أجد فيه من المتعة والمعرفة ما لم أجده في كتب ذائعة الصيت لمؤلفين معروفين ولهم من المؤلفات ما اشتهر في عدد من اللغات وفي عدد من الثقافات.

دفتر مدرسي قديم مكتوب بخط “الرقعة” يضم مقالات مميزة كتبها طالب نبيه في السادسة عشرة من العمر
دفتر مدرسي قديم مكتوب بخط “الرقعة” يضم مقالات مميزة كتبها طالب نبيه في السادسة عشرة من العمر
منذ أيام، أهداني صديقي الكاتب الفلسطيني سليم النجار، كتيبا صغيرا، على هيئة دفتر قديم، وقال لي: هذا كتاب يقرأ، وهو بعنوان “دفتري.. نصوص من العام 1954 – 1955” لسعد حجازي، وحين بدأت بتقليبه، وجدته دفترا مدرسيا قديما، مكتوبا بخط “الرقعة” الجميل ويضم ما يمكن أن نعده مقالات كتبها طالب نبيه في السادسة عشرة من العمر في درس “الإنشاء”، كان قد وجد رعاية من مدرس اللغة العربية، فتميز في ما كتب، سواء في ما تناول من قضايا وموضوعات، أم في ما طرح من أفكار واقترح من معالجات، أم في قدراته اللغوية التي تبدو في معظم ما كتب، أكبر بكثير من عمر فتى في مرحلة الدراسة الثانوية، وحين انتهيت من قراءة دفتر ذلك الفتى، وجدتني معه في ما قال في المقدمة، حيث “التطلع إلى العلم وضرورة نبذ الجهل والتخلف والعصبية، كان هاجس ذلك الفتى كأداة أساسية وربما وحيدة، لخلاص الفرد والأمة معًا”.

إن ذلك الفتى صار شيخا في الثمانين، وهو من مواليد مدينة إربد في الأردن، في مطلع العام 1938، وكان قد نال شهادة البكالوريوس في الطب عام 1962 من جامعة أنقرة التركية، وشهادة الماجستير من جامعة ميتشغان في الولايات المتحدة الأميركية في العام 1965، وشهادة الدكتوراه من جامعة لندن في العام 1976، وهو عضو في العديد من الهيئات والمنظمات والاتحادات والنقابات والزمالات الدولية والعربية والأردنية، وحصل على العديد من الجوائز والأوسمة وشهادات التكريم، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه لطلبة الطب.

لقد تولى العديد من المواقع العلمية والأكاديمية، منها رئاسة جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية ورئاسة الجمعية الملكية في الأردن وعضوية المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن، أما الآن فهو أستاذ شرف في كلية الطب بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، وله دراسات وبحوث باللغتين العربية والإنكليزية، ويقول في مقدمة “دفتري”: لم أطلع على دفتري هذا أحدًا، الآن وقد اقتحمت الثمانين من العمر، أطلعت صديقا عزيزا عليه، فكان رده، ينبغي نشر هذا الدفتر ونصوصه كما هي، كشهادة لجيل ما قبل الشباب، حين كانت الأمة تركض بكل أوزار هزيمتها، نحو خلاصها في زمن صح فيه منها العزم والدهر أبى، وها أنذا أستجيب لنصيحة ذلك الصديق”.

ولكي يكتمل الحديث عن الدفتر القديم وتكتمل قراءته، ينبغي أن نتوقف عند مدرس اللغة العربية -واصف الصليبي- الذي كان له الدور الأساس في ما كتب الشاب المتميز، وفي إنضاج قدراته، وسأعتمد ما كتبه عنه زياد أبوغنيمة:

واصف عبدالرحمن داود الصليبي من مواليد مدينة نابلس الفلسطينية في العام 1905 وقد تخرج من دار العلوم في القاهرة في العام 1932 وحين أنهى دراسته الجامعية، عاد إلى نابلس، وعمل في وظائف إدارية وكان من نشطاء الجناح الشبابي في الحركة الوطنية الفلسطينية، فلاحقته سلطات الاحتلال البريطاني وسجن لمدة سنة واحدة، ثم اعتقل مرة أخرى في سنة 1939 وأمضى في المعتقل أربعة عشر شهرا، بعدها انتقل إلى مدينة إربد وعمل مدرسا في مدرسة إربد الثانوية ثم أصبح مديرا لها، وأقام في مدينة إربد حتى توفاه الله عن ثمانين عاما في العام 1985، ويعد واصف الصليبي من رواد الصحافة المدرسية وقد كتب الشعر وله قصائد معروفة.

لقد اختصر الدكتور سعد حجازي ما هدف إليه من نشر دفتره المدرسي القديم في الإهداء الذي افتتح به صفحاته، بقوله: إلى الناشئة العربية والأردنية.. كشاهد على وعي وثقافة جيلنا، جيل الخمسينات من القرن العشرين، وكما بدأنا هنا في زمن الهزيمة العربية الكارثية المدوية. هكذا بدأنا.. وهكذا يقول دفتري.

غير أنني رأيت في صفحات الدفتر القديم، ما يستدعي التأمل والوقوف طويلاً، عند الكثير مما جاء فيه من أفكار وممارسات، بل وتجارب، عملية وفكرية، تشكل درسا جديرا بأن نتعلم منه، حيث الآمال العريضة التي كاد بعضنا ينساها وينصرف بعيدا عنها

مقالات ذات صلة