إذا لا يهز العرب والمسلمين اغتصاب مقدساتهم فما الذي؟
علي الصالح

بعد سماعها خبر حرق المسجد الاقصى المبارك في 21 أغسطس عام 1969على أيدي مسيحي استرالي متطرف ينتمي لكنيسة الرب في ولاية كاليفورنيا الامريكية، طلعت رئيسة الوزراء الاسرائيلية في حينها غولدا مئير، بمقولتها المشهورة «عندما سمعت الخبر لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب يدخلون إسرائيل أفواجا من كل صوب. وعندما طلع صباح اليوم التالي، ولم يحصل شيء ايقنت ان باستطاعتنا ان نفعل أي شيء فهذه أمة نائمة».
استذكرت مقولة غولدا مئير وهي أيضا صاحبة المقولة العنصرية «أتمنى أن أنام واستيقظ ولا أجد طفلا فلسطينيا واحدا على قيد الحياة»، وأنا أتابع ممارسات الاحتلال الاسرائيلي، التي تسير وفق تلك المقولة، من تطهير عرقي في مدينة القدس المحتلة عبر هدم العقارات، وإلغاء المؤسسات الفلسطينية، وطمس المعالم التاريخية، والاضطهاد والتمييز، وطرد المقدسيين، ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، و»عبرنة» الأسماء العربية في المدينة المقدسة.
والحديث هنا ليس عن أي مسجد، بل المسجد الأقصى «الذي باركنا من حوله» كما ورد في القرآن الكريم، واولى قبلتي المسلمين وثالث حرميهما الشريفين، الذي نجحت اسرائيل تدريجيا حتى الآن في تقسيمه زمانيا، بدون أن يحرك العرب والمسلمون ساكنا، وليس الأنظمة فحسب. وتعلو الاصوات الان داخل حكومة الاحتلال لتقسيمه مكانيا، كما هو حاصل في الحرم الابراهيمي في مدينة خليل الرحمن.
ومن بين هؤلاء وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان، الذي دعا إلى تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، حتى يستطيع اليهود الصلاة فيه، مؤكدا: «حق اليهود في الصلاة في الأقصى بشكل فردي، أو جماعي، في مكان مفتوح أو مكان مغلق»، أي داخل مصليات المسجد الأقصى، وعلى وجه الخصوص مصلى باب الرحمة، الذي تحاول سلطات الاحتلال بسط سيطرتها عليه. وتأتي تصريحات أردان بعد يومين من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي قال خلالها إن «من حق اليهود إحياء ذكرى خراب الهيكل المزعوم في «جبل الهيكل». كما قال قائد شرطة «لواء القدس» لا يوجد وضع راهن عندما يتعلق الأمر بجبل الهيكل».
الحملة الاحتلالية مكثفة، والتجربة علمتنا أنهم عندما يبدأون بإصدار التصريحات، فيعني ذلك أنهم أصبحوا في مرحلة متقدمة من إعلان ما هم قادمون عليه. بمعنى ان التصريحات لا تأتي من فراغ، وما هذه التصريحات إلا لقياس ردة الفعل الإسلامية والعربية، كخطوة أولى نحو السيطرة الكاملة على المقدسات، وتطبيق صفقة القرن بشأن القدس، وهذه التصريحات أيضا ضربة للوصاية الهاشمية على هذه المقدسات وسحب للبساط من تحت أرجلها، وتجاوز كافة الاتفاقيات معه لاسيما اتفاق وادي عربة الذي أكد السيادة الاردنية على الاماكن المقدسة في القدس.
وهذه الدعوات ما هي إلا خطوات للتقسيم المكاني للأقصى توطئة للسيطرة عليه، وإقامة الهيكل الثالث المزعوم، وسيحصل ذلك إذا ما استمر الصمت العربي والاسلامي المطبق، وبقينا على هذه الحال، مكتفين فقط ببيانات التنديد والشجب والدعوات الفارغة لجهات مجهولة، للتدخل. تلك البيانات المعلبة جاهزة النص التي لا تختلف عن سابقاتها في العقود الماضية، إن لم تكن نفسها مع تعديلات تتناسب مع الحدث والزمن.
وما جاء في بيان منظمة التعاون الإسلامي ومقرها مدينة جدة السعودية بمناسبة الذكرى الخمسين لحرق الأقصى، دليل واحد فقط على قولنا. وتؤكد المنظمة في بيانها «دعمها الثابت لحق دولة فلسطين في استعادة السيادة الكاملة على مدينة القدس الشريف، عاصمة دولة فلسطين، وحماية هويتها العربية، والحفاظ على تراثها الإنساني، وصون حرمة جميع الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية فيها، وضمان الحقوق الدينية الثابتة للأمة الإسلامية، مشددة على ارتباط المسلمين الأبدي في جميع أنحاء العالم بالمسجد الأقصى المبارك».. وطمأنت المنظمة المسلمين بمعرفتها بـ»مخططات إسرائيل، وقوة الاحتلال الرامية لتهويد مدينة القدس وتغيير طابعها الجغرافي والديمغرافي، وعزلها عن محيطها الفلسطيني، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة» ولكنها لم توضح كيف ستساعد في وقف هذه الخطوات الاحتلالية. ودعت (من؟) إلى العمل على «حمل إسرائيل، على الالتزام بمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وإنهاء احتلالها لكل أرض دولة فلسطين المحتلة، التي اعترفت بها الأمم المتحدة على أساس حدود 1967، بما فيها مدينة القدس المحتلة.
لا أحد يطالب هذه الانظمة بتدخل عسكري، فالعرب ومن ورائهم المسلمون عجزوا عنه على مدار 71 عاما من الصراع، لكنها تصبح قادرة عندما يتعلق الامر بخصم داخلي، عندها فقط تظهر قدراتها العسكرية وتقيم التحالفات الإسلامية والامثلة كثيرة، واليمن خير دليل. ما نطالب به هو فقط استخدام وسائل وأوراق الضغط السياسية والاقتصادية ضد دولة الاحتلال، وهي عديدة ومتوفرة، خاصة لدى الدول الخليجية اللاهثة وراء التطبيع، وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل. فبامكان هذه الانظمة ان تجعل من تحركاتها في هذا الاتجاه، التي نعارضها ونرفضها، ذات قيمة وثمن، بربطها برفع يد دولة الاحتلال عن القدس ومقدساتها الاسلامية والمسيحية.

ونشير على وجه الخصوص إلى الموقف الفاتر جدا للأردن صاحب الوصاية في الازمة المتواصلة التي لن تتوقف، قبل ان يفرض الاحتلال واقعا جديدا غير الواقع الحالي. فحتى الواقع الحالي فرض فرضا، بدون ردود فعل حقيقية من الدولة الوصية، باستثناء إصدار بيان، على استحياء، على لسان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين عبر فيه عن رفض المملكة المطلق لمثل هذه التصريحات، غير موضح لوسائل تطبيق هذا الرفض، محذرا من مغبة اي محاولة للمساس بالوضع القائم التاريخي والقانوني، والتبعات الخطيرة لذلك، ولم يكشف لنا عن الخطوة التالية،
وذكر الناطق إسرائيل، كقوة قائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني بضرورة الإيفاء بالتزاماتها والاحترام الكامل للوضع القائم. والسؤال للاردن هو، اذا لم تلتزم دولة الاحتلال بالاتفاقات، وهي لن تلتزم والشهادات على ذلك كثيرة، فماذا بإمكان الاردن ان يفعل، لكي يوقف المجزرة الحاصلة في القدس؟
سؤال آخر: هل هناك من يمكن ان يفسر ويوضح لنا ما هو الوضع القائم أو «ستيتَس كوو» التي يحلو لهم استخدامها وترجمتها بالعربي الوضع القائم؟ فهل هو الوضع القائم الان ممثلا بالتقسيم الزماني؟ أم هو الوضع الذي كان قائما بعد احتلال القدس عام 1967، أو الوضع الذي كان قائما بعد توقيع اتفاق سلام وادي عربة عام 1994.
أسئلة لن يجيب عليها سوى الاردن فهو المسؤول الأول عن المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس.
وأخيرا فإن على السلطة الفلسطينية تقع المسؤولية الأكبر، فهي التي تقف في الخط الامامي لمواجهة الاعتداءات والجرائم الاحتلالية، وعليها استخدام الوسائل المتاحة لديها وهي كثيرة، وليس اولها اطلاق يد الشعب الفلسطيني، الذي أطلق الانتفاضة الثانية التي عرفت بانتفاضة الاقصى، ردا على زيارة رئيس المعارضة الاسرائيلية ارئيل شارون للحرم القدسي، بموافقة حكومة ايهود باراك، اواخر سبتمبر 2000، التي استمرت لسنوات وتطورت إلى انتفاضة مسلحة.
واختتم بالقول لغولدا مئير في قبرها، قري عينا فقد صدقت مقولتك تلك، فالعرب والمسلمون لا يزالون في سبات عميق ولا يتوقع لهم أن يستيقظوا أبدا، رغم ان الاقصى على وشك الانهيار، بفعل الحفريات من تحته، والاستعدادات قائمة لاقتسامه بين اليهود والمسلمين مرحليا قبل ان يفرضوا سيطرتهم الكاملة عليه وطرد المسلمين منه وبناء الهيكل المزعوم، واذا لم يتحركوا من أجل الاقصى فلن لا تهتز له قصبة ابدا
أما رغبتك يا مئير بان تستيقظي فلا تجدي طفلا فلسطينيا على قيد الحياة، لم ولن تتحقق فعدد الفلسطينيين في العالم فاق 13 مليونا ومعظمهم من الشباب الذين أخذوا على عاتقهم حمل راية التحرير، وهم الذي يحملون على عاتقهم مسؤولية احباط كل المخططات الرامية لإسقاط قضيتهم من الحسابات الدولية والعربية وفي مقدمتها صفقة القرن الامريكية.

مقالات ذات صلة