نحو وقف التآكل الذي ينهش الساحة الفلسطينية!
ناصر السهلي

إذا ما قورن الوضع الفلسطيني الحالي بسوابقه، أقله منذ أصيبت حركة التحرر الوطني في مقتل الفردانية، وتحول “بعض” فصائلها “الثورية” إلى التركيز على وسائل عمل المنظمات غير الحكومية (NGOs) في الضفة المحتلة، وتغييب الإستراتيجيات والمؤسسات والاقتتال تحت سقف أوسلو، سياسة وسلاحا، كما في غزة تحت مرأى الاحتلال، في 2007، فنحن نعيش أصعب مراحل قضية تحرر وطني، يحولها العقل السياسي المهيمن، بفردية وبتلكؤ، إلى اقتناص انتهازي تمارسه شخصيات صناعة تلك المرحلة، وما سبقها.

ليس دفاعًا عن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس (أبو مازن)، فله من يتحدث باسمه وباسم حركته ورئاسته، لكن يحق للفلسطيني أن ينظر بريبة، كما يفعل عرب غيرهم، من تونس وليبيا حتى اليمن، إلى هذا الإعداد السافر بتلميع محمد دحلان لخلافته، بعد عمر طويل، أو بفرض رحيل مبكر، كما جرت محاولات أثناء حصار الزعيم الراحل، ياسر عرفات (أبو عمار) وبمباركة عربية، ودحلان، بالمناسبة، ليس وحده، فثمة معسكر انتهازي كبير، إلا إذا أراد بعضنا تجميل الواقع، أو منع “نشر الغسيل القذر”.

اليوم، وفي ابتلاء تأرجح “حركة تحرر وطني”، بين نكوص ذاتي عن الدور الطبيعي والحقيقي، وظروف قاهرة بكل الوسائل الدولية والإقليمية، وبتكبيل سلطتها بأوهام التحول إلى دولة، وفرض حصار مالي، لم يعد سرًا أن معسكرا عربيا، خصوصًا في الثلاثي المشكل من دولتين خليجيتين وأخرى عربية افريقية، وأدواته في المنطقة؛، يندفع لفرض حالة استسلام فلسطينية، عبر “صفقة القرن”. وشئنا أم أبينا، فإن تحرّكات هذا الثلاثي تلتقي في النهاية مع ضعف الواقع الفلسطيني، بعيدًا عن لغة الحماسة والخطابات “الثورية”.

ليست الخطيئة فقط في أن حديث “توريث” محمد دحلان، يقوم على منبت ثقافي – اجتماعي عربي، عن “الأبوية” و”القائد المنقذ”، بل في تعقيد الحالة الفلسطينية، أكثر مما تعقدت وتراجعت منذ رحيل عرفات، بكاريزماه التي حاول البعض تقليدها ففشل، وغياب مشروع إستراتيجي شامل للكل الفلسطيني، تحت الاحتلال وفي مخيمات اللجوء العربي.

فليس على الساحة الفلسطينية اليوم، أمثال رفاق عرفات ممن رحلوا، ولا مؤسسات تتمسك بمشروع واضح، بقدر العمل وفق سياسات ردات الفعل بوجه مشروع فرض “أبوية”، حاول الفلسطينيون التمرد على ثقافتها فلم يستكمل بفعل نقائضه الجغرافية والجهوية والعشائرية المتحكمة، والتي يصعب بهذه العجالة الخوض في تفاصيلها؛ إلى جانب كل ما يتعلق بدور حركة تحرر وطني أُلهيت والتهمت في مسائل التمويل والرواتب والقروض “بضمانات الوظيفة”.

مساعي دحلان، أو “القائد أبو فادي” عند مؤيديه، في الانتشار وتأسيس “مكانة” بأموال أبو ظبي، حتى بين جاليات الشتات، من أوسلو إلى اللاتينية، وللأسف تحت بصر، وأحيانا تحالف بعناوين “عمل ونشاط” مع فصائل محسوبة على منظمة التحرير الفلسطينية.

وتلك لا يمكن مواجهتها لا من السلطة ولا من “حركة فتح” وقوى وطنية، طالما أن الأمور بقيت محصورة في ردّات فعل وبغياب مراجعة شاملة للمشروع الوطني برمته، وهيمنة فكرة نرجسية “القائد المنقذ”، وبعضهم يظن نفسه حقا هوتشي منه، ومستمر بقيادة فصيله ومنصبه النقابي والفصائلي حتى الموت، فما بالك بمراجعة الأدوات والسياسات.

وبغير مراجعة حقيقيّة لكل ما مرت به المنظمة والسلطة، التي يفترض أنها ذراعها، وليس العكس، فلن يكون مستحيلا أن نشهد مرحلة تفكيك وإعادة تركيب المؤسسات الفلسطينية على مقاس الرجل ومشغليه، بأموال وسياسات خليجية، وبجهود شخصية من قبل محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، في إطار أشمل وأعم في علاقتيهما برجالات ترامب ونتنياهو شخصيا.

إلى ذلك، فالأخطاء التي ترتكبها السلطة في رام الله، إلى جانب ارتباكها وارتجاليتها، منذ أن فرض دحلان بنفسه نظرية دايتون الأمنية لصناعة مجتمع فلسطيني غير مقاوم، واستهداف من يفترض أن يكونوا عمقها، إن على مستوى الحريات والنضال الفعلي لا المناسباتي الموسمي، وغيرها من قائمة خطايا كبرى، تعزّز من فرص إضاعة جهود وإمكانيات لوقف هذا التآكل الناهش بالحالة الفلسطينية عموما، والتي تتوسع لتطاول حتى الشتات الفلسطيني، إن في مخيمات فرض إذلال وعنصرية عربية، أو في ساحات المهاجر، حيث الاختراقات تتم تحت بصر ممثليها وممثلي حركة “فتح” وبقية الفصائل، المشغولة بتقارير تنظيمية إرضاءً لغرور مسؤول ساحة هنا وهناك.

مقالات ذات صلة