العثمانيون مشكلةً لبنانية
معن البياري

قال المخرج السوري، حاتم علي، مرّة، إننا نشاهد على شاشات التلفزيون، على الهواء مباشرةً، وقائع في لحظتها، ثم قد نختلف في تفسيرها وتحليل تفاصيل فيها، وفي شرح ما جرى في أثنائها، فما بالك بأحداثٍ في الماضي، تنتسبُ إلى التاريخ، علمنا عنها من كتب المؤرّخين .. لبنان شاهدٌ على هذه البديهية. لطالما تأكّد فيه امتناع توافقٍ ممكنٍ وعريضٍ بين مكوناته، الطائفية والسياسية، على قراءةٍ لتاريخه، القريب والبعيد، ولو بحدّ أدنى. ومن دلائل غزيرة على ذلك استعصاء إنجاز كتابٍ للتاريخ، منهجيٍّ، متوافقٍ على صلاحيّته للتعليم المدرسي، على الرغم من اجتماعات لجانٍ تشكّلت لهذا الهدف الذي نصّ عليه اتفاق الطائف في عام 1989. .. لم يكن لهذه السطور أن تستعيد هذا المعلوم من أمور لبنانيةٍ شائعةٍ، لولا أن نوبةً من أعراض النزاع بشأن التاريخ طرأت أخيرا، تسبّب بها رئيس الجمهورية ميشال عون، والذي تقول رطاناتٌ وفيرةٌ إن موقعه الأول في الدولة يفرض عليه الترفع عن كل ما يفرّق اللبنانيين، والتشديد على الجامع بينهم. صوّب على العثمانيين، وقال، في انطلاقة احتفاليات مئوية “لبنان الكبير”، في الأول من سبتمبر/ أيلول الحالي، إنهم مارسوا إرهاب الدولة الذي أودى بحياة آلاف الضحايا اللبنانيين، وإن محاولات التحرّر من “النّيْر العثماني” كانت تُقابَل بالعنف والقتل. وبدا أن الرئيس كان يقصد إحداث أثرٍ معيّنٍ لعباراته هذه، والتي تُحيل إلى قناعاتٍ تستقر في أفهام لبنانيين غير قليلين، تُعارضها قناعاتٌ أخرى في أفهام لبنانيين آخرين غير قليلين أيضاً.
ومن زوبعة تداعيات كلمات عون هذه أن وزير الدفاع اللبناني، إلياس بوصعب، حسم، بلغةٍ واثقةٍ، من دون أي استعانةٍ بقليلٍ من الأكاديمية، بأن ما قاله الرئيس “وقائع وتاريخ، ولا أحد يستطيع التنصّل منه”، في ردّ على غضب أنقرة الذي عبرت عنه الخارجية التركية، في بيان رسمي، عقّبت عليه نظيرتها اللبنانية ببيانٍ مضاد، وتعلق خلافهما بما إذا كان ثمّة “تحريف للتاريخ” قد جرى في كلام الرئيس أم لا، فيما المؤكّد الوحيد أن الموظفين المحترمين في الوزارتين، ممن صاغوا البيانيْن (وبيان ثالث)، ليسوا مؤهلين للحديث عن التاريخ. ببساطةٍ، لأن أمرا كهذا يلزمه التحرّر من استحقاقات السياسة، ولأن منطقهم في الدفاع والهجوم بالتاريخ فرض عليهم الانتقاء من هذا التاريخ ليصير الدفاع والهجوم مقنعيْن. والبديهي، وأهل الاختصاص أدرى، أن دولة العثمانيين، أو الإمبراطورية في توصيفٍ جائز، لم يرفل الناس في أعطافها بتسامحٍ غزير، كما أنها لم تكن منقطعةً لمباشرة الشرور ضدهم. وفي البال أن مؤرّخين أفادوا بأن الدولة العثمانية بنت في لبنان مرفأ بيروت ومصانع وأنشأت طرقا وسكة حديد، ولها أفضال غزيرة على “لبنان الكبير”.
لم يكن اللبنانيون في حاجةٍ لمزيدٍ من أسباب المخاصمات التي تقسّمهم بين أكثر من فسطاط، حتى يطرأ عليهم العثمانيون مشكلةً متجدّدة، وهي عتيقةٌ جديدة، فمعلومٌ أن ما قد يصحّ تسميته “هوىً عثمانيا” يغشى جوانح لبنانيين كثيرين، ربما زاد لديهم في العقدين الأخيرين، فيما يرى لبنانيون آخرون، سيما في مواقع قيادية في أحزاب وتشكيلات سياسية، أن العثمانيين أعملوا في البلد وبعض الجغرافيا فيه ما لا يليق أن تغفل عنه الذاكرة اللبنانية عامة. وعلى ما في لبنان من جامعاتٍ، وما أنجزه أصحابُ أدمغةٍ، من أبنائه أهل المعرفة والعلم، من درسٍ تاريخي في الحقبة العثمانية، أضاءت على الإيجابي الكثير فيها، وعلى السوءات الفادحة فيها، فإن أهل السياسة، والزعامات التي نصّبت نفسها ناطقةً عن طوائفها، لا يتوقفون عن محاولات الاستحواذ على هذا الحيّز المعرفي، كما يفعل نظراؤهم من أهل الهوى الأيديولوجي والانحيازات العاطفية، فيذبح هؤلاء وأولئك الحقائق. وفي الأثناء، يبقى التاريخ ساحة شقاق، ومطرحا للاصطفافات. ولذلك، استحال تنفيذ توصية اتفاق الطائف المهملة، ولذلك أيضا رمى الرئيس ميشال عون رميتَه العثمانية، في مناسبةٍ احتفائيةٍ وطنيةٍ جامعة، فجدّد دوران مواطنيه في متاهات السياسة وأهوائها.. وأغراض الطوائف، الخافية والطافية، معاً.

مقالات ذات صلة