إبهار سياسي تونسي
كمال بالهادي

مثلت جولة المناظرات التلفزية بين مرشحي الانتخابات الرئاسية التونسية، خطوة جديدة واستثنائية في عالمنا العربي، تقدمها تونس لكل الشعوب الطامحة إلى التغيير، لتنسج على منوالها ضمن أطر ديمقراطية وتبادل سلمي على السلطة.
إنّ تنظيم مناظرات في سباق رئاسي للمرة الأولى في تونس وفي العالم العربي وحتى في إفريقيا، يعبّر عن أن شعوب هذه المنطقة تحتاج فعلاً إلى انتقال سياسي على الطريقة التونسية، وهو انتقال لم يخل على كل حال من معوقات ومن مطبّات ومن تحديات خطيرة كادت تعصف بالتجربة برمتها في مرات عدّة.
لن نخوض هنا في مضامين تلك المناظرات، لأنها أولاً وأخيراً تخص المترشحين الذين دافعوا عن وجهات نظرهم دون أن يكون هناك خروج عن ضوابط الاحترام المتبادل. ولكن الصورة التي قدمتها تونس في ثلاث مناسبات متتالية في ظرف 40 يوماً كانت بالفعل دالة على تحضّر المجتمع التونسي وقدرته العجيبة على تجاوز المحن. فمن حيث شكل المناظرة لا بد من أن نسوق بعض الملاحظات الهامة التي جرت فيها المواجهة التلفزية المباشرة بين المترشحين للانتخابات الرئاسية.
– الملاحظة الأولى أن المناظرة تمت بعد إحياء أربعينية الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وهو الرجل الذي كان من الصعب ملء الفراغ السياسي الذي تركه، ولكن «تونس ولاّدة» كما يقال، وعدد المترشحين للرئاسيات يدلّ على أنّ هناك جيلاً جديداً يطمح إلى أخذ زمام المبادرة من شيوخ السياسة التونسية ومن «الحرس القديم» الذي ظل ماسكاً باللعبة السياسية منذ منتصف القرن العشرين.
– الملاحظة الثانية تتعلق بسرعة المتغيرات في الساحة السياسية التونسية، دون أن تكون لهذه السرعة مخلفات من قبيل أحداث عنف أو تصادم بين أنصار المرشحين، بالرغم من أن الوطيس كان حامياً خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.
– الملاحظة الثالثة تخصّ تتابع الصور الإيجابية عن الانتقال السياسي التونسي، وهي صور تبهر العالم في كل مرة وتلفت الأنظار إلى أن الديمقراطية ليست حكراً على الشعوب الغربية، وأن العرب قد قطعوا شوطاً متقدماً جداً في اللحاق بركب الديمقراطيات العريقة. ففي ظرف أربعين يوماً قدمت تونس ثلاث صور متتالية، جعلت الإعلام الدولي يقتنع بأن هناك شعباً تونسياً يقدم دروساً في التغيير السياسي لكل الشعوب الأخرى الطامحة إلى التغيير السياسي، فقد كانت الصورة الأولى تكمن في عملية الانتقال السلمي للسلطة عقب إعلان وفاة الرئيس السبسي، حيث لم تدم عملية نقل السلطة وفق ما يقتضيه الدستور إلا سويعات قليلة. والصورة الثانية تتمثل في تلك الجنازة المهيبة التي وقع تنظيمها لتشييع الرئيس الراحل، والصورة الثالثة هي صورة المناظرات التلفزية التي جمعت مترشحين من أطياف سياسية مختلفة.
لنقل بكل موضوعية إن التونسيين قد مارسوا عملية إبهار سياسي للعالم حتى دون أن يكون هناك وعي خلفي بعملية الإبهار..
هذه الصورة الإبهارية، لن تقف عند هذا الحدّ، فيوم الأحد القادم الخامس عشر من سبتمبر، سيقدم التونسيون درساً سياسياً جديداً عندما يتوجهون بكثافة لتأييد هذا المرشح أو لمعاقبة مرشح آخر عبر صناديق الاقتراع، ثم سيتوجهون بعد أسابيع قليلة لاختيار ممثليهم في البرلمان الجديد، وهكذا فإن الحلم التونسي لا يتوقف، وعملية التغيير الديمقراطي قد دارت عجلتها ولن تتوقف عند من سيسكن قصر قرطاج، لأنّ الوعي بأن التغيير السياسي الأنجع هو عبر صناديق الاقتراع، قد بدأ يترسخ.
التونسيون غاضبون من طبقتهم السياسية، وبعض المرشحين واجهوا انتقادات كبرى من المواطنين عندما زاروا مناطقهم المهمشة وحتى المنسية، والتونسيون أحرجوا كبار مسؤولي الدولة وحاسبوهم بطريقة فيها الكثير من التشنج، دون خوف من المحاسبة في المستقبل. وقد شهدت الحملات الانتخابية لبعض المرشحين عزوفاً من قبل الناخبين تعبيراً عن رفضهم لسياسات ذلك المرشح أو لخياراته الفكرية، وهذا في حد ذاته سلوك ديمقراطي راق حتى وإن شابته في بعض الأحيان تجاوزات من قبل المواطنين أو حتى من قبل بعض المرشحين.
الآن كل مرشح وضع كل بيضه في سلّة، وعبّر بكل حرية عن آرائه وأفكاره ولم يبق على التونسيين سوى أن يعبروا بذات الحرية عن اختياراتهم السياسية المثلى، وأن يعطوا أصواتهم لمن هو الأقدر على تحقيق البعض من طموحاتهم، فلا أحد اليوم قادر على سرقة الحلم الديمقراطي التونسي، وإن كان المطلوب الآن هو تدعيم الديمقراطية من أجل دولة قوية يسود فيها القانون وتتحقق فيها العدالة، وتعيد إلى التونسيين حالة الرفاه الاقتصادي والاجتماعي التي ضاعت في خضم عملية التحول السياسي الجارية.

مقالات ذات صلة