ترامب وموظفوه.. سياسة “الباب الدوار”
محمد الشرقاوي

تنمّ الإقالة الخفية، أو الاستقالة المعلنة، لجون بولتون، من منصب مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي الأميركي في العاشر من سبتمبر/ أيلول الحالي، عن أكثر من مفارقة بشأن تقلّبات العلاقات الشخصية والمهنية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سواء مع مستشاريه في البيت الأبيض أو وزرائه في الحكومة. وتسجّل أيضاً رقماً قياسياً بحاجة البيت الأبيض لمستشار رابع لإدارة الأمن القومي في أقلّ من ثلاث سنوات، بعد تنحّي الجنرالين مايكل فلين وهربرت مكماستر ثم بولتون الذي تعيدنا إقالته إلى المربّع الأول: ما هي حقيقة الخلافات الأيديولوجية والاستراتيجية بين الرجلين؟ ولماذا لا يحتفظ ترامب ببعض الوفاء أو الجميل لمن ساهموا في تركيب حملته الانتخابية، أو يبلورون سياساته العامة في الداخل والخارج؟ وهل يتراءى له أنّهم مجرّد قطع غيار بشرية حول “مركزية” شخصيته واعتداده بنفسه بأنه “سيد العارفين” و”رجل الصفقات”، وأنه الرئيس القادم من “خارج” المؤسّسة السياسية. قبل أسبوع من خروج بولتون من البيت الأبيض، سُئِل وزيرُ الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريون، عن رأيه في كيفية التعامل مع الولايات المتحدة بوجود عدة مسؤولين متنافسين على صياغة السياسة الخارجية الأميركية والرسائل المتناقضة التي تبعثها واشنطن، فردّ: “لدينا متحدّث واحد: ترامب أوّلاً وأخيراً”.
هما جملتان مقتضبتان بمجموع 26 كلمة طبعها بولتون بنفسه على جهاز الكمبيوتر لإعلان القطيعة مع الرئيس، وتستوفي ما هو مطلوب قانونياً لمغادرة الخدمة الفيدرالية، وإن كانت تخفي تشنّج الرجل تحت توشية الجملة الثانية التي عبّر فيها عن شكره لهذه “الفرصة لخدمة وطني (this opportunity to serve my country). ويمكن المقارنة بين هذه الحالة وما يجري عربياً، مقارنة لا بدّ منها ونحن ننفتح على بعض آليات البناء الديمقراطي، ومنها المناظرات التلفزيونية الرئاسية على الطراز الأميركي قبل أيام في تونس، وأيضاً قياس تطوّر الفكر السياسي العربي وسط آمال التغيير من القاعدة إلى القمة بانتفاضات شعبية واعدة في الجزائر والسودان هذا العام، وقبلهما دول عربية عديدة عام 2011.
يظلّ منحى التّوافق أو إدارة الاختلاف بين النخبة الأميركية، بما فيها السجال السياسي في البيت الأبيض، متمسكيْن بثقافة المواطنة أوّلاً وأخيراً. ولديهم مقاومة تاريخية منذ قيام أميركا قبل  قرابة 250 عاماً ضد ثقافة “الرعيّة”، أو “شخصانية الحكم”، أو “خُدّام الدولة”، أو فقه التمسّك بأهداب “الأعتاب الشريفة”، بل مجرّد خدمة الوطن (To serve one’s country)، وهي معيار يتجاوز حدود الطاعة والخنوع والولاء للحاكم الشخص، ويفوق حماسة التبشير لأيديولوجية بعينها. في جميع رسائل الاستقالة، لم يكتب بولتون ووزراء الدفاع والخارجية والعدل السابقون، جيمس ماتيس وريك تيلرسون وجيف سيشن، ووزراء ومستشارون آخرون، أكثر من عبارة “السيد الرئيس” Mr. President، ولم يجنح خيالهم السياسي إلى التعبير عن تجلّيات “الفخامة”، أو “الجلالة”، أو “العظمة”، أو “السمو” وغيرها من أدبيات التعبّد في الذات الحاكمة، وسيميائيات “السدّة العالية بالله”، أو بقية متوارثات الآداب السلطانية. ولا تشمل تلك الرسائل، سواء التي حرّرها المسؤولون المُقالون/ المستقيلون، أو قرارات الرئيس ومراسلاته، أي أختام حكومية، حبرية كانت أم شمعية، بل مجرّد توقيع شخصي بسيط. ولهم في ذلك تأكيد لشخصانية الفرد، وليس شخصانية السلطة.
هل هو ميزان بين الصقور والحمائم؟
لم تشمل رسالة الاستقالة التي حرّرها بولتون بنفسه أكثر من جملتين، فيهما نبرة باردة جليدية، ومنطق “خير الكلام ما قلّ ودل”، وأنها سارية المفعول “على الفور”، ومن دون تريّث أو تحديد فترة انتقالية، حتى يجد الرئيس خليفة له في المنصب. على خلاف بولتون، كتب وزير الدفاع السابق، جيمس ماتيس، في رسالة استقالته التي شملت 586 كلمة، أن “تاريخ 28 فبراير سيسمح بمدة كافية لترشيح واختيار خلف لضمان التعبير عن مصلحة وزارة الدفاع بشكل مناسب في الفعاليات المقبلة.” وشكّل خطاب الوطنية في رسالة بولتون تهذيباً لخلافاته مع الرئيس ترامب، ومخرجاً من الحرج بالنسبة لواحدٍ من صقور واشنطن، لم يبق في البيت الأبيض أكثر من سبعة عشر شهراً. وكاد أن يُقحم الولايات المتحدة في حروبٍ مع كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا، فلو تُرِكت الأمورُ تسير حسب إرادته “كنّا سنخوض الآن أربع حروب”، كما يقول مسؤول رفيع في إدارة ترامب.
يمكن اختزال الفرق الأيديولوجي الرئيسي بين الرّجليْن في أنّ ترامب يتبنّى رؤية “أميركا أوّلاً” بما تنطوي على دعوات الانعزالية السياسية، والحمائية الاقتصادية، وعدم تدخل الولايات المتحدة عسكرياً أو مالياً في أيّ صراعٍ دولي، مهما ساءت المعاناة الإنسانية، أو تعثرت فيه جهود الأمم المتحدة، كصراعات اليمن وسورية وليبيا. وصل المرشح ترامب إلى البيت الأبيض، وقد وعد الأميركيين بأنّه سيُنهي مسلسل “الحرب المفتوحة اللامتناهية”، وأنّ “حنكته” في التوصّل إلى صفقات سياسية، على غرار صفقاته المالية المثيرة للجدل، تجسّد مدرسة سياسية ثالثة، ستكون بديلاً لخيار المواجهة، حسب أسلوب الرئيسين، جورج بوش الابن وريغان، وخيار التعامل الدبلوماسي على طريقة الرؤساء أوباما وكلينتون وكارتر.
بكلّ ما لها وما عليها، تسعى مدرسة ترامب إلى مسك العصا من الوسط بين التلويح بخطاب الحرب، وليس الدخول في حرب فعلية، وليّ ذراع الخصوم بمزيدٍ من العقوبات مع تحفيزهم على الجلوس إلى مائدة المفاوضات، والتقاط الصور التذكارية، كما هو التعامل مع كوريا الشمالية، وإمكانية تكراره مع إيران. غير أنّ بولتون يؤمن برؤية “أميركا في كلّ مكان”، وهي امتدادٌ لفكر المحافظين الجدد الذين أحاطهم ديك تشيني حول المرشح والرئيس بوش عام 1999 تبعاً لاستراتيجية التكتل المعروف باسم “مشروع القرن الأميركي” الذي أسّسه وليام كريستول وروبرت كيغان عام 1997. وكان هؤلاء يدفعون بأن “الزعامة الأميركية جيدة لكلّ من الولايات المتحدة والعالم”، فسارعوا إلى غزو أفغانستان عام 2002 والعراق 2003، وهم لا يدّخرون جهداً في استحضار المطرقة العسكرية في وجه إيران وبقية تحدّيات الولايات المتحدة في العالم.
اختلف الرجلان أيضاً بشأن تحديد الاستراتيجية الأميركية الفضلى بين التلويح بالحرب والدعوة  إلى الدخول في مفاوضات مع كوريا الشمالية وإيران. وكان الخلاف أعمق بشأن المدى الذي ينبغي أن يرافق التدخلَ العسكريَ الأميركيَ “موقفٌ يكرّس فلسفة الصقور في السياسة، وأيضاً بشأن دور الدبلوماسية”، كما يقول خبير السياسة الخارجية الأميركية في معهد كاتو في واشنطن، جون كلازر. وطوال أيّامه في البيت الأبيض، تمسّك بولتون بقناعته الذاتية، وهي ضرورة تكريس الواقعية الهجومية، إحدى تفريعات مدرسة الواقعية الجديدة (Neorealism) التي تقوم على استخدام القوة بشكل استباقي، للرّدع في العلاقات الدولية. وكما يقول أحد كبار منظّريها المعاصرين، جون مارشايمر، إنّ “الطبيعة الفوضوية للنظام الدولي توفّر للقوى العظمى حافزاً قوياً للجوء إلى العمل الهجومي والسلوك العدواني، من أجل زيادة أمنها والسّيطرة على العالم”. هذا ما لوّح به بولتون في وجه كوريا الشمالية 2017، وإيران عام 2015، وسورية 2011، وأفغانستان والعراق عقب هجمات 2001. ومن تجلّيات هذه الواقعية الهجومية مقال رأي اختار له عنواناً يحرّض على استخدام السلاح To Stop Iran’s Bomb, Bomb Iran (لإيقاف قُنْبُلة إيران، ينبغي قَنْبَلة إيران)، نشرته صحيفة نيويورك تايمز عام 2015.
كانت حكومة ترامب قاب قوسين أو أدنى من استخدام القوة في مواجهة كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا خلال الأشهر السبعة عشر التي قضاها بولتون في البيت الأبيض. وفي 8 مايو/ أيار 2018، كانت نشوته مضاعفة، عندما قرّر الرئيس ترامب التحلل من الاتفاق النووي الذي وقّعته خمس دول مع إيران في 15 يونيو/ حزيران 2015، وبتزكية الأمم المتحدة، ونجح بالتالي في وضع العلاقات الأميركية الإيرانية على مسار العداء والتصعيد. كان بولتون يحتفظ بنسخة من القرار التنفيذي الرئاسي بخروج الولايات المتحدة من الاتفاق، ضمن إطار معلّق على جدار مكتبه، بنشوة من يعتبر نفسه العقلَ المدبرَ وراء ترامب في الدفع إلى القطيعة والمواجهة مع طهران. وتجذّر النَّفَسُ البولتوني في قرارات ترامب إلى حد كبير، بفرض مزيد من العقوبات على طهران والحكومات والشركات التي تتعامل معها تجارياً، ومحاولة الدفع بصادرات النفط الإيرانية نحو مستوى الصفر، وتصنيف الحرس الجمهوري الإيراني ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وأخيراً إعداد الخطة العسكرية لضرب ثلاثة مواقع استراتيجية داخل إيران قبل قرار ترامب إلغاءها قبل عشر دقائق من الموعد المقرّر، فأبدى بولتون وقتها ضجراً ملحوظاً عندما قرّر ترامب عدم مهاجمة إيران، وإنْ أسقطت طائرة استطلاع أميركية من دون طيار في يونيو/ حزيران الماضي.
بيد أنّ المحصلة النهائية تكشف أنّ ترامب يحبّذ طريقة المفاوضات مع طهران، وقد أرسل عدة دعوات مباشرة وغير مباشرة للقاء الرئيس الإيراني، روحاني، و”من دون شروط” كما أوضح وزير الخارجية مايك بومبيو يوم إعلان خروج بولتون من البيت الأبيض. ويشعر كثيرون من منتقديه داخل الولايات المتحدة وخارجها اليوم بنشوة مماثلة، تبعاً للقول المأثور “ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع” من أجواء البيت الأبيض. ومن هؤلاء بومبيو ووزير المالية ستيفن منوشن اللذان خاضا أكثر من معركة مع بولتون، والكلّ يسعى إلى استمالة أذن ترامب في كل مناسبة.
كان خلاف بولتون شديداً مع وزير الخارجية الذي يشرف على ملفات المفاوضات مع كوريا  الشمالية وإيران وحركة طالبان. وانتقده بومبيو مراتٍ لأسلوبه المتهجم والبيروقراطي الحاد الرافض بعض المرونة في إدارة المفاوضات. وتمكّن من إبعاده من حضور المشاورات الداخلية في واشنطن بشأن تلك الملفات الكبرى. انقطع الحديث المباشر بين بولتون وبومبيو منذ أشهر، وأصبح التواصل بينهما عن طريق وسطاء. ولا عجب أن يقول بومبيو، يوم إعلان تنحية بولتون، إن للرئيس صلاحية اختيار موظفيه، وإنه يستحق فريقاً يمكنه أن “يثق” و”يقدّر” ومن “تكون جهوده وحكمه على الأمور في صالح الأمن القومي الأميركي”.
خلال ترتيب إجراءات التفاوض مع زعيم كوريا الشمالية، كان ترامب يعتبر بولتون المُفْسِد المحتمل لأيّ اتفاق نووي تاريخي محتمل مع بيونغ يانغ، وتعمّد مراراً عدم مشاركته في الاجتماعات المهمة. وخلال القمة الأميركية الكورية الشمالية الثانية في هانوي، أمر ترامب بعدم حضور بولتون في اجتماع مأدبة العشاء بين كبار المسؤولين الأميركيين والكوريين الشماليين. وعندما زار ترامب المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين في يونيو/ حزيران الماضي، كان قد أرسله في مهمة إلى منغوليا، بدلاً من أن يحضر اجتماعه مع كيم.
لم تتحقق رؤية بولتون بشأن تطور الوضع في فنزويلا، وهي الملف الذي استحوذ عليه هو وفريقه أكثر من بقية الأزمات الأخرى، فقد أبلغ الرئيسَ ترامب أن نظام الرئيس نيكولا مادورو سينهار بسهولة، بفعل العقوبات الأميركية التي زادتها واشنطن على فنزويلا المعروفة بثروتها النفطية. ولكن حسابات بولتون واجتهاداته “الاستراتيجية” لم تكن صائبة، عندما وقفت روسيا والصين في صفّ حكومة مادورو، فخفّت كفة التأثير والنفوذ الأميركي، وازدادت الحالة الإنسانية سوءاً بفعل التصعيد بين واشنطن وكراكاس، ما أدى إلى نقص حاد في الأغذية والأدوية، أساء إلى سمعة الولايات المتحدة.
كان ترامب يأخذ على بولتون أيضاً تملّصه من الظهور في برامج الحوارات السياسية أيام الأحد عبر القنوات الأميركية، فقبل اختياره لمنصب مستشار الأمن القومي العام الماضي كان المحلّل بولتون شخصية يمينية معروفة بين أوساط الجمهوريين، يدافع عن السياسة الخارجية لترامب. وكان الرئيس يريد “كلباً مهاجماً يدافع عنه. لكنه في المحصلة النهائية وظّف شخصاً يريد أن يهجم على الآخرين فعلياً”، كما قال أحد المراقبين.
وظلّ بولتون، حتى آخر أيامه في المنصب، يعارض إبرام أي صفقة مع حركة طالبان لانسحاب الجنود الأميركيين من أفغانستان مقابل التعهد بألا تسمح الحركة بأن تصبح البلاد منطقة عمليات لهجمات إرهابية على الولايات المتحدة. وكانت القشة التي قسمت ظهر البعير بينهما اكتشاف أن فريق بولتون سرّب معلوماتٍ إلى صحافيين معيّنين عن نية ترامب عقد اجتماع سرّي مع زعماء حركة طالبان الأفغانية يوم ذكرى هجمات “11 سبتمبر” في منتجع كامب ديفيد.
لا غطاء يحمي رجال الرئيس
يساعد الاعتداد بـ”مركزية” ترامب الرئيس والمستشار والوزير والسفير في آن، وهو يديرها عبر نافذة “تويتر” والمقابلات الهاتفية على قناة فوكس نيوز، في فهم سياسة الكراسي المتأرجحة التي لا تخضع لا لثقل الجاذبية السياسية للشخص، ولا لمبدأ الحفاظ عليه في المنصب، حتى لو كان يسيّر ملفات استراتيجية حساسة للغاية. كان السناتور جِيفْ سِيشَنْ أول أعضاء مجلس الشيوخ الذين جازفوا بمستقبلهم، عندما قرّر تأييد المرشح ترامب في بدايات 2016، وهو من رفع رايته في ولاية ألاباما وبقية ولايات الجنوب الأميركي. لكن استماتة سيشن من أجل المرشح ترامب لم تشفع له، عندما بدأ الرئيس ترامب يطلق رشاشه بتغريدات التهكّم والاحتقار نحوه قبل قرار إقالته عنوة. كان مصير سيشن على غرار مآل رينِسْ بْرِيبُوسْ رئيس اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري (2011-2017) بعدما غامر بتأييد مرشح يميني، ولو على حساب قيم الحزب الجمهوري أمام ستّة عشر من رجال المؤسسة السياسية في واشنطن. ولم يبق في منصب رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض سوى سبعة أشهر وعشرة أيام. أمثلة كثيرة يتدرّج الرئيس في قصف مستقبلها السياسي تباعاً، حسب وتيرة لعبة دومينو ترامبية من دون توقف.
هي كراسي متقلّبة الجاذبية قد يصيبها زلزال المزاج الترامبي في أي لحظة، وينبغي عدم الاسترخاء أو الشعور بالاستقرار فيها عندما يُفاجأ الموظف(ة) أو الوزير(ة) بتغريدة ترامب في الغالب بتركيبات لغوية مختلفة، لا تخرج عن فحوى الطرد. هناك قاموس ترامبي مطواع من قبيل إنّه “أبلغ بولتون إنّ الحاجة لم تعد تدعو لخدماته”، أو “شكراً لريكس تيرلسون على خدمته”، أو “نشكر وزير العدل جيف سيشن على خدماته، ونتمنى له كلّ الخير”.
منذ العشرين من يناير (كانون ثاني) 2017، جسّدت علاقة رجال وسيّدات المعسكر الترامبي بمرشّحهم ورئيسهم تقارباً بين مرحلة النعمة ومرحلة النقمة. يعتبرهم في البداية “أفضل” الكفاءات والحلفاء، كما وصفهم بـ”فريق الصفوة” A Team، ثم تأتي العاصفة من دون إنذار، لتقلع أركان خيمتهم، فيُحيلَهم إلى أقرب سلة قمامة من دون أن يعرب عن الأسف أو وخز الضمير. مثلاً تم تعيين ستيفاني غريشن المديرة السادسة لقسم التواصل في البيت الأبيض بعد إقالة أو استقالة خمس شخصيات في 32 شهراً. من هؤلاء أنتوني ساكرومتشي الذي طرده ترامب بعد عشرة أيام في المنصب.
بعد رحيل بولتون من البيت الأبيض، تظهر دراسة جديدة أعدتها مؤسسة البروكينز أنّ نسبة التغيير عبر الباب الدوار، سواء بخيار الإقالة أو الاستقالة ضمن فريق البيت الأبيض الذي يشمل 65 مستشارا، أو من كان يسمّيهم ترامب “فريق الصفوة”، بلغت تسعة مناصب في أقلّ من ثلاث سنوات، مقارنة مع ثلاثة مناصب خلال ثماني سنوات من رئاسة أوباما، واثنين خلال رئاسة بوش الابن (8 سنوات)، وأربعة في عهد كلينتون (8 سنوات)، وثمانية في عهد بوش الأب (4 سنوات)، وستة في عهد ريغان (8 سنوات). وعلى مستوى التغيير في المناصب الحكومية، بلغت نسبة الإقالة/ الاستقالة نسبة 77% في أقل من ثلاث سنوات من رئاسة ترامب. وتتجاوز بذلك نسبة 71% في فترتي حكم أوباما، و63% خلال فترتي رئاسة بوش الابن، و74% خلال فترتي حكم كلينتون، و66% في فترة بوش الأب، و78% خلال ثماني سنوات من حكم ريغان خلال تقلبات حقبة التحضير لتحطيم جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة.
فوق اعتبار الهواجس اليومية لدى الرئيس ترامب إزاء التحوّلات في السياسة الدولية، قد تُعزى ميوله إلى قرارات الإقالة المتواترة إلى نشوته الشخصية بصدى مقولته الشهيرة “أنت مطرود” You are fired، وهي قفلته الشهيرة في البرنامج التلفزيوني The Apprenticeعلى قناة إن بي سي عشر سنوات. وقد يكون اتفاقه مع مطروديه، أو مستقيليه، بعدم الكشف عن أمور أخرى بمثابة اتفاق “الجزرة والعصا” بين الجانبين. ولكن المنطق العقلاني في إبرام “صفقات الصمت” لن يدوم طويلاً، ولن يُذهب ما في حلقهم من غصاصة: غصاصة فقدان الجاه والمقام السياسي، وغصاصة الجحود ونكران الجميل من لدن مرشح ورئيس تحكمه أكثر فأكثر نرجسية “أنا الصّفقات، أنا الدولة”. وقد تعود اتفاقات “الجزرة والعصا” لتؤرّق مضجع ترامب نفسه في عام الحملات الانتخابية، بموازاة تشكيك أغلبية الأميركيين في إنجازاته الحقيقية، وليس الخطابية. ومن الأمور المرتقبة التي قد تردّ الصاع صاعين عزم الجنرال مكماستر والسفيرة نيكي هيلي نشر كتابين عن دواخل البيت الأبيض، وكيفية تصريف ترامب الأمور اليومية في الرئاسة.
غياب بولتون عن المشهد بعد خمسة أيام من استقالة المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، جيسين غرينبلات، وثلاثة أشهر من استقالة باتريك شاناهان القائم بأعمال وزير الدفاع، لا يعني تراجع تيار الصقور في البيت الأبيض. بل قد يفسح الطريق لذوي المرونة والطاعة والتطبيق الحرفي لإرادة ترامب، وهو الذي يفترض من موظفيه أن يمنحوه الشعور بأنه “عبقري”، ويقرّوا له بالفضل في توليهم مناصب فيدرالية. سيتولى تشارلز كوبرمن (نائب بولتون) المنصب قائماً بأعمال مستشار الأمن القومي إلى حين يقرّر ترامب اختيار من يتولى المنصب، وقد يلغي فكرة البحث عن مستشار بديل. ولكن المؤكد أن المرحلة الجديدة تفرش أرضية صلبة لمزيدٍ من نفوذ مايك بومبيو، رجل الساعة الذي يتحرّك تدريجياً نحو الجمع بين عقل ترامب وأذنه. وسيحتار المؤرخون في تأويل مفارقة أساسية في علاقة ترامب مع مستشاريه ووزرائه: لا الكفاءة تكفي، والولاء الشخصي يكفي.

مقالات ذات صلة