نتنياهو في صراع الساعات الأخيرة
رندة حيدر

تشهد إسرائيل حاليا الفصول الأخيرة من الحياة السياسية لبنيامين نتنياهو الذي كسر الرقم القياسي في البقاء في منصب رئاسة الحكومة (أكثر من عشر سنوات على التوالي منذ 2009)، ويلاقي الآن صعوبةً بالغةً في الاعتراف بهزيمته في انتخابات الكنيست (البرلمان) قبل أيام، والتنازل عن منصبه لرئيس حزب أزرق أبيض، الجنرال بني غانتس الذي استطاع الحصول على عدد أكبر من المقاعد.
قد يبدو للوهلة الأولى صراع نتنياهو على البقاء السياسي أمرا داخليا يتعلق بالصراعات الحزبية، وتوزيع موازين القوى الجديد، لكنه في الحقيقة يتخطى ذلك إلى ما هو أبعد من ذلك. ما يجري اليوم في الحياة السياسية الإسرائيلية نموذج للصراع البشع الذي يخوضه حاكم مستبد، عندما تتعرّض سلطته إلى خطر استبدالها بسلطة أخرى. عدم رغبة نتنياهو الاعتراف بهزيمته، حتى بعد ظهور نتائج الانتخابات، وهي الثانية التي تجري في أقل من ستة أشهر، هي دليل على وهم الديمقراطية الذي يتشدق بها الإسرائيليون، ويتباهون فيها على أقرانهم من شعوب المنطقة. صحيحٌ أن صراع نتنياهو على البقاء في السلطة لم يصل حتى الآن إلى حد التهديد بإشعال حرب أهلية إسرائيلية، دفاعاً عنه، لكن ما يفعله من تهويلٍ على الإسرائيليين وتخويفهم من قيام حكومة بغير رئاسته، والتحريض الهائل الذي مارسه ويمارسه ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتلويحه بأنه وحده يستطيع أن يواجه التهديدات الأمنية على بلاده، هو أشبه بالدعوة إلى حرب أهلية إسرائيلية، بزرع الشكوك والتفرقة بين الإسرائيليين أنفسهم.
من جهة أخرى، ما يبعث على اشمئزاز كثيرين، أن صراع نتنياهو على بقائه ليس دفاعاً عن مصالح الدولة والناس، بل هو محاولة للتهرّب من المحاسبة وإحالته على المحاكمة بتهم الفساد الموجهة إليه. بمعنى آخر، يريد نتنياهو منع أي شخصية أخرى من تشكيل الحكومة، لكي يضمن حصوله على الحصانة، ومنع إحالته على المحاكمة. ومن أجل هذا الغرض، هو مستعد لكل شيء، معاداة الإعلام، والقضاء، وتشويه سمعة الخصوم السياسيين، وإلقاء التهم جزافاً.
استخدم نتنياهو، في الأيام القليلة الماضية، كل الألاعيب التي في جعبته، كي يثبت أنه ما يزال يتحكّم بمفاصل الحياة السياسية، ويسيطر على القرار السياسي. فور ظهور النتائج الأولية، سارع إلى توحيد أحزاب اليمين من حوله، وجعل نفسه ممثلهم الأوحد في المفاوضات على تشكيل الحكومة المقبلة، وعمل على تهديد الإسرائيليين بالخيار بين حكومة يمينية برئاسته والخراب. بعد هذه الخطوة التي أثارت مخاوف من الاضطرار إلى إجراء انتخابات للمرة الثالثة، إذا به يدعو خصمه إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، ثم يشن هجوماً عليه، لأنه لم يستجب لهذه الدعوة، ولم يسارع إلى الاجتماع به. يسعى نتنياهو، بشتى الوسائل، إلى أن يظهر أمام الجميع داخل إسرائيل وخارجها بأن الأمر ما يزال له وله وحده.
نهاية عهد نتنياهو نهاية حقبة ونهج ونمط من الزعامة، وليست بالضرورة بداية توجهات سياسية جديدة مختلفة عن السياسة التي انتهجها، فمن تابع المعركة الانتخابية أخيرا لاقى صعوبةً في العثور على فروق سياسية بارزة في المواقف بين الحزبين الكبيرين المتنافسين من مسائل أساسية، مثل مستقبل المناطق الفلسطينية المحتلة، والرؤية حيال التسوية السلمية، والموقف من “صفقة القرن”، أو من موضوع المستوطنات اليهودية. إذ يتلاقى الحزبان كثيراً في مواقفهما من مجمل هذه المسائل، أي رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، ورفض إخلاء مستوطنات، والتمسّك بالسيطرة على غور الأردن، وتشديد الحصار على غزة والتهدايدت العسكرية لحركة حماس.
مع ذلك، يمكن أن نعثر على فروق في صورة الائتلاف الحكومي المقبل المنتظر أن يشكله بني غانتس، طبعا بعد أن يقبل نتنياهو الاعتراف بهزيمته وإخلاء مكانه، فقد نشهد تراجعا في سيطرة أحزاب اليمين القومي المتشدّد التي ترفع شعار ضم المنطقة ج فوراً إلى إسرائيل. بالاضافة إلى أن تشكيل حكومة من حزب وسطي مثل أزرق أبيض، على الرغم من قربه من اليمين، يمكن أن يؤدي إلى التخفيف من حدّة سياسة الإقصاء والتمييز التي مارستها حكومات نتنياهو ضد المواطنين العرب، والتي بلغت ذروتها مع إقرار قانون القومية. صحيح أن زعماء حزب أزرق أبيض رفضوا التعاون مع إعلان رئيس القائمة العربية المشتركة، أيمن عودة، استعداد الأحزاب العربية لدعم ترشيح بني غانتس لرئاسة الحكومة، بحجة أن بعض أحزاب القائمة لا يعترف بإسرائيل دولة يهودية. صحيح أيضاً أن هذا الحزب يضم شخصيات عسكرية ذات ماضٍ دموي، وأخرى جاءت من حزب الليكود، لكنه يشمل أيضاً شخصيات ليبرالية مؤيدة للمساواة في الحقوق بين جميع مواطني الدولة، وترفض فكرة ضم المناطق الفلسطينية، وتدعم تسوية سياسية عادلة مع الفلسطينيين.
قد تشهد الأيام المقبلة مزيدا من محاولات نتنياهو دفاعاً عن بقائه. ولكن على الأرجح بدأنا نشهد أفول عهد نتنياهو.

مقالات ذات صلة