حرب نتنياهو على فلسطينيي الداخل
عادل شديد

شكلت انتخابات الكنيست (البرلمان) الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، محطة مهمة في حرب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ضد الجماهير الفلسطينية في إسرائيل الذين يشكلون 21% من سكان إسرائيل، وشهدت نقلة نوعية وخطيرة في تحريض المجتمع اليهودي ضد المواطنين الفلسطينيين، وصل إلى مستوىً قياسي، حين وصف نتنياهو المجتمع العربي بالعدو الذي يريد إبادة دولة إسرائيل، وأن القائمة العربية المشتركة، وخصوصا حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أحد مكونات القائمة الأربعة، ويرفض المشروع الصهيوني، ويرفض يهودية إسرائيل. ويُعتبر تحريض نتنياهو ضد المواطنين العرب، وتخويف اليهود منهم، وبناء صورة في الوعي اليهودي ترى فيهم عدوا خطيرا، تصعيدا خطيرا وشرعنةً في قتل العرب، خصوصا أن مجازر وعمليات قتل حدثت في العقود الماضية ولم تكن مستويات التحريض قد وصلت إلى ما عليه الآن، لا سيما بعد التحريض الممنهج الذي يقوم به نتنياهو في أجواء الانتخابات أخيرا.
لم يكن تحريض نتنياهو ضد العرب قبل الانتخابات مجرد تعبير عن كراهيتهم، بقدر ما كان جزءا من مخطط ممنهج، أريد منه تقليص عدد مقاعدهم في الكنيست، وأن تنخفض إلى حدّها الأدنى، بعد تخويفهم من التصويت، كما حدث في الانتخابات السابقة في شهر إبريل/ نيسان الماضي، حين فوجئ الناخبون العرب بوجود حوالي 1300 مراقب يهودي يميني موزعين على معظم مراكز التصويت العربية، ما أحدث إرباكا وخوفا، وخصوصا في مجتمع يخشى جزء منه على مصالحه الشخصية من سطوة دولة الاحتلال، وتزامن وجود المراقبين مع انقسام القائمة المشتركة، ما انعكس سلبا على الحالة الفلسطينية، وانخفضت نسبة التصويت العربية إلى أقل من النصف، والأخطر كان في ضياع 123 ألف صوت فلسطيني للقوائم الصهيونية، والتي تعادل أربعة مقاعد للقوائم الصهيونية، بما فيها حركة ميرتس، والتي اجتازت نسبة الحسم بعد حصولها على أكثر من 40 ألف صوت فلسطيني.
ولتبرير حربه على العرب وممثليهم، ادّعى نتنياهو، بعد انتخابات إبريل، أن حزب التجمع  الوطني الديمقراطي الفلسطيني هو من منع نتنياهو من تشكيل الحكومة بذريعة سرقة الانتخابات، مع أن ما تم توثيقه من عمليات تزوير كان في قرية كفر سميع، وتبين أنهم من جماعة نتنياهو الذي حاول تمرير قانون الكاميرات لنصبها في مراكز التصويت العربية لتخويف الناخبين وإرهابهم، وتقليل عدد الناخبين ومنع آخرين من انتخاب القائمة المشتركة، لكي تذهب أصواتهم إلى القوائم الصهيونية، لاعتباراتٍ انتخابية مرتبطة بتقليل التمثيل الفلسطيني وزيادة مقاعد اليمين، ثم لاعتبارات سياسية مرتبطة بنظرة الحركة الصهيونية للعرب في إسرائيل، وإلغاء شرعية وجودهم جماعة قومية أصلانية، انطلاقا من رؤية الحركة الصهيونية، كما حددتها هذه الحركة، بعد وعد بلفور، حين اعتبر أول رئيس لدولة إسرائيل، حاييم وايزمان، أن إسرائيل ستكون بعد إقامتها دولة اليهود فقط، كما إنكلترا دولة الإنكليز، وتم التأكيد على ذلك عبر قانون القومية اليهودية الذي تم إقراره في صيف 2018.
حملة نتنياهو لإلغاء شرعية العرب، وإعادة تشكيل القائمة المشتركة من أربع قوى فلسطينية، أدتا إلى إثارة حماس الجماهير الفلسطينية ودافعيتها، والذي تم التعبير عنه في زيادة نسبة التصويت العربية بأكثر من 10% عمّا كانته في انتخابات إبريل/ نيسان الماضي الملغاة، وحصول القائمة المشتركة على النسبة العليا من أصوات الناخبين، وتراجع الأصوات الفلسطينية التي ذهبت إلى القوائم الصهيونية، حيث حصلت القائمة المشتركة على 471 ألف صوت، أي 13 مقعدا، مع أنها حصلت على 337 ألف صوت فقط في انتخابات إبريل، أي عشرة مقاعد. وكان واضحا أن تحريض نتنياهو ضد العرب قد جاء بنتائج عكسية، جعلت نتنياهو يخسر كثيرا من ذلك، وقد وصفه محلل إسرائيلي بأنه أصبح ينافس الزعماء الديكتاتوريين العرب في إعطاء مصلحته الأولوية على مصالح حزب الليكود وإسرائيل، ويوظف مستشارين له للتصفيق لسياساته وتجميلها، كما يفعل أصدقاء له من القادة العرب، وقد جاء ذلك بعد نشر نتنياهو خبرا كاذبا للإعلامي الإسرائيلي، إيلي ليفي، من القناة الإسرائيلية 13، حين ادّعى أن طوابير الناخبين تملأ ساحات مراكز التصويت في قرية كفر مندا العربية، في وقتٍ كانت حركة التصويت خفيفة جدا في القرية. وبعد نشر نتنياهو الخبر الكاذب، تداعت جماهير كفر مندا إلى المراكز، في ردة فعل على التحريض. وبالتالي يكون الفضل بتشكيل القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست العشرين في العام 2015 لرئيس حزب إسرائيل بيتنا، أفيغدور ليبرمان، حين عمل على رفع نسبة الحسم في الانتخابات من 2% إلى 3.25%، كي لا تتجاوز أي من القوائم العربية نسبة الحسم، ما دفع الأحزاب العربية إلى أن تخوض الانتخابات في القائمة المشتركة، لتحصل في حينه على 13 مقعدا. وفي انتخابات الأسبوع الماضي، يعود الفضل إلى تحريض نتنياهو الذي أدى إلى إعادة بناء القائمة المشتركة، وارتفاع نسبة التصويت، وحصول القائمة على 13 مقعدا، ما شكل ضربة قاسية لنتنياهو. ولعب ارتفاع نسبة التصويت دورا في سقوط قائمة الإرهابي المقبور مائير كهانا.
لم يتوقف نتنياهو عن تحريضه ضد العرب وممثليهم، حتى بعد تبيّن نتائج الانتخابات، بل استمر في ذلك، محاولا شيطنة العرب وإلغاء شرعية وجودهم، واعتبارهم أعداء. وتحمل عملية التحريض إهدار دم العرب في إسرائيل، وبالتالي تخوين أي قائمة يهودية تعتمد على مقاعد العرب في تشكيل الحكومة، ويقصد قائمة أزرق أبيض بزعامة الجنرال بيني غانتس، مع أن رؤية الأخير إلى القائمة المشتركة لا تختلف كثيرا عن نتنياهو، ما تبين عندما أعلن رئيس القائمة، أيمن عودة، عن استعداده للمشاركة في حكومة لا يرأسها نتنياهو، والتحريض على قتل كل من يُشرك العرب في القرارات السياسية لإسرائيل، كما حدث مع إسحق رابين، حين حصل على دعم أعضاء كنيست عرب لتمرير اتفاقية أوسلو في الكنيست في العام 1993. وقد يؤدي تحريض نتنياهو على غانتس لإنتاج قاتل جديد، مثل إيغال عامير الذي قتل رابين في 1995، على الرغم من أن فكرة مشاركة القائمة المشتركة في أي حكومة إسرائيلية مرفوضة من أغلبية الفلسطينيين.
الجماهير الفلسطينية التي هزمت نتنياهو، وخرجت إلى التصويت لإثبات وجودها جماعة قومية لها حقوقها السياسية، كما المدنية، قادرة على معاقبة القائمة المشتركة مستقبلا في حالة فشلها في الارتقاء بالأداء وفي الابتعاد عن المصالح الشخصية والحزبية كما حدث قبل شهور بحل القائمة لأسباب شخصية. والانتخابات أخيرا أثبتت أن الجماهير العربية قوة لا يمكن إلغاؤها، على الرغم من أن نسبة التصويت كانت أقل 10% من المصوتين اليهود، هذا يعني أن تساوي نسبة التصويت العربية مع اليهودية سيؤدي إلى ارتفاع المقاعد الفلسطينية إلى أكثر من عشرين مقعدا. والأهم أن ارتفاع نسبة التصويت لتصبح مساوية لنسبة التصويت العربية في الانتخابات المحلية سيؤدي إلى ارتفاعها إلى ثلاثين مقعدا، في حال راجعت القوى التي ترفض الانتخابات مواقفها، خصوصا أنه، في ظل الحالة الفلسطينية في إسرائيل، ومحاولة الإقصاء والإلغاء لكل ما هو فلسطيني، مطلوب قرار جماعي وطني، وعدم الحديث عن المقاطعة إلا في حال الالتزام الشامل من كل الجماهير والقوى العربية بالمقاطعة، مع إيجاد بديل وطني مقنع عنها.
أما بالنسبة للقيادة الفلسطينية التي عبرت عن مواقف متناقضة تجاه حكومة جديدة يرأسها بنيامين نتنياهو، فقد أظهرت الانتخابات أخيرا أن لا إشكالية بشأن سياسات المذكور تجاه القضية الفلسطينية وباقي القضايا العربية، وأن النقاش فقط هو على شخص نتنياهو، وعلى قضايا داخلية، كالعلاقة بين الدين والدولة ودولة الشريعة أم العلمانية. وبالتالي، بات مطلوبا من القيادة الفلسطينية أن تتوقف فورا عن استراتيجية اللافعل، وعدم الرهان على أن بديل نتنياهو قد يعيد العملية السياسية إلى مجاريها، وأن التعنت الإسرائيلي مرتبطٌ أيضا بسياسة اللافعل الفلسطيني، واستمرار الرهان على وهم ما يسمى المجتمع الدولي الذي لن يغير من الواقع شيئا، ما لم تغير القيادة الفلسطينية من استراتيجية الانتظار التي زادت من تطرّف المجتمع اليهودي، طالما أن الأمور هادئة، والمشروع الاستيطاني التهويدي الإحلالي يسير بشكل هادئ، ومن دون أية إعاقات، وأصبح الاحتلال، كما يصفه الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، نفسه، فندق خمس نجوم.

مقالات ذات صلة