ما الاعتقال الإداري الذي ينتفض الأسرى الفلسطينيون ضده

يحاول الفلسطيني مازن النتشة (47 عاما) من مدينة الخليل جنوب الضفة المحتلة أن يلملم أوقاته والثغرات التي خلّفها الاعتقال الإداري على حياته، فهو أمضى ثلث عمره تقريبا رهن هذا النوع من الاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وفي تموز/ يوليو الماضي أفرج عن النتشة بعد أن أمضى 15 شهرا في الاعتقال الإداري ضمن آخر حلقة منه حتى الآن بحقه، فعادة لا يكاد يكمل عاما خارج الاعتقال حتى يعاد أسره من جديد وتحويله للاعتقال الإداري.

ويقول النتشة إن “الاعتقالات بحقه بدأت عام 1997 حين أمضى عاما في الاعتقال الإداري، ثم توالت بعدها حتى هذا العام لتسرق من عمره 14 عاما عانى فيها رهن هذا النوع من الاعتقال”.

ويوضح أن أطول فترة في الاعتقال الإداري مكثها لمدة 44 شهرا، ثم تحرر لمدة 120 يوما فقط، وبعدها أعيد اعتقاله ليمضي 41 شهرا في الإداري.

ويعتبر الاعتقال الإداري حكما قاسيا بحق الأسرى الفلسطينيين، لأنه يسجن الشخص دون تهمة، حيث أن الاحتلال يتذرع دائما بوجود ملف سري، لإبقاء المعتقل رهن الإداري القابل للتجديد فور انتهاء مدته.

ويشير النتشة إلى أن قوات الاحتلال حين تقوم باعتقاله يحاول أن يفهم منها ما هي التهمة التي أدت لاعتقاله، وفي كل مرة يتم الرد عليه بأنه “خطير على أمن المنطقة وسلامة الجمهور”، وهو ما يتم به عنونة ملف الإداري، مبينا أن كل أركان المحاكمة خلال الاعتقال الإداري تكون مكتملة ما عدا التهمة، أي أن القاضي والمحامي والادعاء والمتهم موجود ولكن التهمة هي الغائبة.

ويضيف: “لدي خمسة أبناء لم أشهد ولادة إلا واحد منهم، بسبب تكرار الاعتقالات بحقي، وحتى حين يتم الإفراج عني أشعر أنني غريب بينهم لا أعرف تفاصيل حياتهم ولا طباعهم، لأنني لم أعش طفولتهم ولم أوصلهم للمدارس في بداية مشوارهم الدراسي كأي أب، بل كنت مغيبا في السجون طيلة الوقت، أما هم فتعرفوا علي فقط من خلال الصور وأحاديث والدتهم وزياراتي في السجن، وهذا كله لا يكفي لأن يعيش الوالد حياة أبنائه وفاتت علي الكثير من المناسبات الخاصة بهم كالنجاح في الثانوية العامة ودخول الجامعة، فكانوا دوما كالأيتام رغم أن والدهم على قيد الحياة”.

وتتمثل معاناة الاعتقال الإداري في إنهاء الأسير للأشهر الأولى منه وفور انتهائها وتجهيز الأسير نفسه وعائلته للحرية يتم تجديد الاعتقال لعدة أشهر أخرى، وهكذا حتى يمضي الأسير ما يقارب عامين في هذا الاعتقال.

ونتيجة لذلك كما يؤكد النتشة؛ يضطر الأسير في كثير من الحالات إلى خوض إضراب عن الطعام رفضا لهذا النوع من الاعتقال، وذلك رغم علمه بأن الإضراب قاس وصعب وسيؤدي إلى نتائج نفسية وصحية خطيرة، ولكن الاعتقال الإداري أسوأ من كل ذلك، وفق تعبيره.

ويقول إن “الأسير حين يخوض الإضراب يعلم مرارة الأيام التي سيمر بها، ولكن ذلك من أجل التقاط الثمرة التي يسعى لتحقيقها وهي الحرية، وأن يكسب حياته حتى لو كانت يوما واحدا خارج الأسر”، لافتا إلى أنه خاض إضرابا جماعيا عن الطعام لمدة 63 يوما، وفرديا لمدة ثمانية أيام رفضا لهذا الاعتقال.
وتصل درجة القهر من هذا الاعتقال أن يفضل الأسير اختيار حكم عادي، حتى لو كان مضاعفا لتهمة ما، على أن يتم تحويله للاعتقال الإداري.

ويوضح النتشة قائلا: “كنت أحيانا أقول للقاضي أعطني تهمة واضحة واحكمني عليها عاما بدلا من شهر، ولكن لا تحولني للاعتقال الإداري، أي أن الأسير يفضل أن تكون هناك تهمة حقيقية وألا يتم تحويله للإداري دون تهمة”.

ويتذرع الاحتلال عادة أمام القضاء بوجود ما يسميه الملف السري الذي لا يتيح حتى للمحامي الاطلاع عليه من أجل إقناع القاضي بوجوب تحويل الأسير للإداري، وفي كثير من الأحيان يتم تحويل الأسير لهذا النوع من الاعتقال بعد فشل المحققين الإسرائيليين انتزاع اعترافات منه خلال جلسات التحقيق، فيصبح الإداري في هذه الحالة انتقاميا تصادق عليه المحكمة دون تردد.

ويخوض حاليا سبعة أسرى فلسطينيين الإضراب المفتوح عن الطعام ضمن موجات رافضة للإداري بدأت منذ عدة سنوات، ودخل بعضهم الشهر الثالث في الإضراب في ظروف صحية واعتقالية صعبة في ظل رفض الاحتلال إلغاء الإداري بحقهم حاليا، ولكنه خلال التجارب السابقة رضخ لمطالب المضربين بعد تردي حالتهم الصحية.

ويعتبر مدير مركز حريات للدفاع عن الحقوق المدنية حلمي الأعرج بأن الظلم والقهر والانتهاك للحقوق الذي يتعرض له الأسرى الإداريون الذين يرون في اعتقالهم باطلا وتعسفيا؛ هي ما دفعتهم لدخول الإضراب الذي قد يودي بهم للاستشهاد في أي لحظة.

ويقول إن “الاتفاقيات والمواثيق الدولية وخاصة المادة الرابعة من اتفاقية جنيف جرمت الاعتقال الإداري التعسفي الذي يقدم الاحتلال فيه ملفا سريا ضد الأسير، ولا يقدمه لمحاكمة عادلة وهو لم يرتكب جرماً حتى في اعتبار قوانين الاحتلال”.

ويوضح أن تجديد الاعتقال بحق الأسير يؤدي إلى شعوره بالغضب والقهر والاستياء والألم ويعبر عن رفضه لكل ذلك بخوض معركة الإضراب المفترح عن الطعام؛ رغم إدراكه أنها معركة طويلة وقاسية ومؤلمة؛ ولكن دفاعا عن كرامته الإنسانية بخوض هذه المعركة لينتزع حقه في الحرية.

ويتابع: “الاحتلال يصبح أمام موقف حرج في الإضراب لأنه يعلم تماما أن الاعتقال الإداري ظالم فيضطر أخيرا إلى الإفراج عن الأسير المضرب الذي ينتزع حقه في إنهاء الاعتقال الإداري بحقه، لأنه لا توجد عليه أي تهمة ولا يشكل أي خطر كما يدعي الاحتلال فيجبر على إطلاق سراحه”.

ويعتبر الاعتقال الإداري ممنوعا في دول العالم، بينما يعمل الاحتلال به نقلا عما كانت تنفذه سلطات الانتداب البريطاني بحق الأسرى الفلسطينيين، في محاولة لوأد الثورات ضدها قبل عام 1948.

“عربي21”

مقالات ذات صلة