العالم الذي يبشر به ترامب: قوميات متناحرة وحروب يتربح منها تجار السلاح
إبراهيم نوار

هذا هو العالم الذي يبشر به، ويدعو إليه، ويعمل من أجل إقامته التيار القومي الشعبوي في العالم بقيادة دونالد ترامب. عندما قاد حملته الانتخابية السابقة تحت شعار «أمريكا أولا»، فإنه كان في حقيقة الأمر يبني قاعدة انطلاق حصينة لتيار عالمي، لم يلبث أن اتسع نطاقه على جانبي المحيط الأطلنطي.
التيار القومي الشعبوي اليميني كان موجودا قبل ترامب في عدد من الدول الأوروبية، أهمها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، حيث ظهرت حركات قومية متطرفة إلى درجة النازية، وبلغ نفوذها السياسي درجة عالية من التأثير خصوصا في فرنسا. لكن هذا التيار لم يحقق انتصارات ساحقة، وكان انتصاره الأول هو انتصاره الأكبر، في الولايات المتحدة عام 2016 بفوز ترامب. الآن ترامب هو قائد سفينة هذا التيار ومرشدها.
النزعة القومية الشعبوية اليمينية في الولايات المتحدة ليست جديدة. ويذكر عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي الأستاذ في جامعة هارفارد، صاحب نظرية القوة الناعمة، أن هذه النزعة تتغذى على الأزمات الاقتصادية، وعلى فلسفة تفوق ثقافة الرجل الأبيض. ففي منتصف العقد الأول من القرن العشرين، أظهرت استطلاعات الرأي العام أن 50% من الناخبين يعتبرون المهاجرين عبئا اقتصاديا على البلاد، في حين أن 39% فقط اعتبروه قوة إضافية. ومع أن استطلاعات الرأي العام بعد حوالي قرن من الزمان (2015) أظهرت ان نسبة الأمريكيين الذين يعتبرون المهاجرين عبئا بلغت 41% مقابل 51% اعتبروهم قوة إضافية، فقد ذكر ناي، أن نجاح الرسالة السياسية للتيار القومي الشعبوي المعادي للمهاجرين في انتخابات 2016، في بلد قام أساسا على أكتاف المهاجرين، يعود إلى الربط بين زيادة أعداد المهاجرين وانخفاض فرص العمل المتاحة للمواطنين. وقد أكد ناي في دراسته للظاهرة الشعبوية في الولايات المتحدة، استنادا إلى العديد من المؤشرات الإحصائية، وجود كتلة صلبة تعادل نحو ثلث الناخبين، تفضل دائما سياسات العزلة عن العالم، وتعلي الروح القومية، وتؤمن بتفوق ثقافة الرجل الأبيض على ما عداها. هذه الكتلة تمثل، القلب الحي للتيار القومي الشعبوي اليميني في الولايات المتحدة.
تقييد الهجرة والعداء للمهاجرين، هو واحد من الملامح الرئيسية المشتركة للتيار القومي الشعبوي على مستوى العالم. وتتصدر الشعارات المعادية للمهاجرين أجندة الحركات الشعبوية في بلدان أوروبية مثل، إيطاليا وفرنسا وبريطانيا والنمسا وبولندا والمجر وسلوفينيا، وفي بلدان آسيوية مثل الهند. في ألمانيا استطاع حزب «البديل من أجل أرض ألمانيا» ان يصبح بسرعة ثالث أكبر الأحزاب السياسية (حوالي 14%) من الناخبين، لكن نفوذه في الأقاليم الشرقية من ألمانيا يرتفع إلى أكثر من 25% ليحل في المركز الثاني مباشرة بعد حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، الذي تتزعمه حاليا المستشارة أنغيلا ميركل. حزب البديل الألماني ينمو بسرعة في مناطق ألمانيا الشرقية السابقة، مستفيدا من حالة التباين في معدلات الإنتاج والتفاوت في الدخل بين الغرب والشرق. وتقدر الإحصاءات الأوروبية أن معدل الناتج المحلي للفرد في أقاليم شرق ألمانيا تقل عن المتوسط العام للناتج الفردي بنحو 8% في حين انه في أقاليم الغرب يزيد عن المتوسط العام بنسبة 3%. هذه الفجوة تعكس التخلف الاقتصادي التاريخي بين جانبي ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن ألمانيا صخت استثمارات تزيد على 2 تريليون يورو منذ توحيد ألمانيا، بعد سقوط سور برلين.

التيار القومي الشعبوي في ألمانيا الذي يعادي سياسة الباب المفتوح، المنظم للاجئين التي تتبعها أنغيلا ميركل، يتهم هذه السياسة بأنها سبب ارتفاع البطالة، وتناقس فرص العمل. وهو أيضا يستغل التفاوت الاقتصادي بين شرق ألمانيا وغربها، في تعزيز نفوذه في الشرق، متهما النخبة الحاكمة، بأنها تقف وراء هذا التفاوت وتحرص على استمراره. في الهند فاز ناريندرا مودي في الانتخابات العامة الأخيرة، مستندا إلى قاعدة قومية هندوسية بالأساس، وكان العداء للمهاجرين، والتعهد بإعادتهم إلى بلدانهم التي أتوا منها، على رأس شعارات حملته الانتخابية. الآن بدأت الحكومة الهندية وحكومات الولايات، إجراءات شرسة لتهجير الملايين من المقيمين بدون أوراق ثبوتية رسمية، ما يقرب من 4 ملايين شخص يعيشون في ولاية آسام في شمال شرقي الهند، أتوا اساسا من بنغلاديش.
في بلدان أخرى مثل البرازيل، يستغل التيار القومي الشعبوي، ظاهرة فساد مؤسسات الحكم، واتساع نطاق التفاوت في توزيع الدخل، وانتشار الفقر في أماكن كثيرة، خصوصا خارج المدن، من أجل تحقيق مكاسب على حساب النخبة الحاكمة والأحزاب التقليدية. وتظهر متابعة التطورات في البرازيل منذ انتخاب الرئيس بولسونارو، على أساس شعار «البرازيل أولا»، أن هذا التيار، فوق خطورته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يمارس تخريبا للبيئة الطبيعية على نطاق واسع، بدون أي اكتراث لنتائج ذلك. وعلى سبيل المثال، فإن منظمات حماية البيئة في البرازيل، والمؤسسات الدولية المعنية بتطبيق معاهدة الأمم المتحدة للمناخ، رصدت زيادات متسارعة في عدد الحرائق التي تتعرض لها غابات الأمازون، واتساع المساحات التي يتم حرقها وتقطيع أشجارها عمدا لأغراض الزراعة وتربية المواشي، تحت سمع وبصر حكومة بولسونارو منذ يناير الماضي. وعندما طالبت قمة الدول السبع باتخاذ إجراءات للحد من هذه الحرائق، وعرضت على البرازيل المساعدة، كان رد بولسونارو «غابات الأمازون هي ملكنا وليست ملكا لهم»، غير مكترث بالآثار المدمرة، التي يمكن أن تتعرض لها البرازيل والعالم؛ فالمهم هو تحقيق الربح السريع من تربية المواشي والزراعة، لمصلحة الشركات التي توغلت أنشطتها في ملايين الهكتارات من غابات الأمازون التي يعتبرها علماء البيئة الرئة التي يتنفس بها العالم. بولسونارو يقتفي أثر ترامب، الذي انسحب من معاهدة الأمم المتحدة للمناخ، وفتح المناطق المحظورة على شركات النفط، واعفي هذه الشركات من الالتزام بمعايبر المحافظة على البيئة.
هذه القضايا الثلاث، الهجرة والتفاوت والبيئة، تمثل أهم محركات الدعاية والتعبئة لمصلحة التيار القومي الشعبوي اليميني، الذي يسعى بقوة إلى إقناع الناخبين بأن النخب الحاكمة التقليدية، هي سبب تفاقم حرمانهم وزيادة حدته، وأن النظام الليبرالي العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، يمثل الأداة التي يجب تحطيمها مع تلك النخب، لأن هذه النظام هو الذي يحرمهم من حريتهم، ومن حقهم في السيطرة على موارد بلادهم. وقد أعلن ترامب في كلمته التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر الماضي، بوضوح لم يسبق من قبل، أهم الشعارات القائدة للتيار القومي الشعبوي الجديد، عندما قال «إن المستقبل لن يكون لأنصار العولمة، وإنما المستقبل هو للوطنيين». وقدم ترامب لذلك في كلمته بالثناء على القيم القومية، والهجوم على ترتيبات النظام العالمي القائم، وقال إن الولايات المتحدة قررت أن تضرب المثل أولا، وأنها لن تسمح لأي دولة أخرى ان تقرر لها، أو أن تحد من حريتها في اتخاذ أي قرار ترى فيه مصلحتها الوطنية. ووجه ترامب في كلمته نداء الى كل الحاضرين بأن يستعيدوا السيادة لبلادهم، لأنه لا حرية لهم بدون هذه السيادة. هذا النداء في حقيقة أمره هو دعوة للانقلاب على النظام الليبرالي العالمي، الذي تمثل الأمم المتحدة أهم أركانه، والعودة إلى النظام الذي تسوده الصراعات بين قوميات متناحرة. هذا النظام الذي يدعو إليه ترامب، كان سببا لحربين عالميتين، راح ضحيتها ملايين الضحايا. إن تخريب ترتيبات النظام الليبرالي العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يفتح الباب لدورة وحشية جديدة في تاريخ البشرية، يتراجع فيها القانون والنظام، وتسيطر عليها شريعة الغاب، ومن ثم تنتشر فيها الحروب، التي تقدم فرصا أكيدة تتربح منها شركات السلاح على مستوى العالم، خصوصا في الولايات المتحدة، ويكون فيها البقاء للأقوى.
لكن مقاومة التيار القومي الشعبوي اليميني لن تنجح بمجرد التحذير من خطره، ولا بإطلاق الصرخات العالية هنا وهناك ضده، وإنما تنجح بإصلاح ترتيبات النظام الليبرالي العالمي القائم حاليا. وقد استطاع عدد من المفكرين الاوروبيين والأمريكيين، منهم الفرنسي توماس بيكيتي والأمريكي جوزيف ستيجليتز، والبريطاني توني أتكينسون، وغيرهم تقديم أفكار رائدة في مجالات إصلاح النظام العالمي، لإقامة نظام أكثر ديمقراطية وأكثر عدالة وأكثر صداقة مع البيئة. هناك اعتراف إذن بوجود قصور داخل النظام الحالي، لكن شعارات التيار القومي الشعبوي تتناقض مع مبررات الإصلاح واحتياجاته، بل وتعود بالعالم إلى حقبة سوداء من تاريخية سادت فيها الحروب والصراعات.

مقالات ذات صلة