تركيا تنقل صراعها مع الأكراد إلى الداخل السوري
عمرو حمزاوي

دعكم من أحاديث الحكومة التركية عن إعادة اللاجئين السوريين إلى قراهم ومدنهم في الشمال، ونحوا جانبا دفعها الزائف بأولوية إقامة منطقة آمنة على امتداد الحدود التركية-السورية لا وجود بها لا للجماعات المسلحة ولا لعصابات الإرهاب. فليس للعدوان التركي على الأراضي السورية من أهداف غير القضاء على القدرات العسكرية والمدنية الكردية التي تطورت في ظروف الحرب الأهلية خلال السنوات الماضية، والتأسيس لوضع جديد في الشمال السوري جوهره الحضور طويل الأمد لوحدات الجيش التركي أو بعبارة أخرى الاحتلال التركي للشمال السوري.
فالحكومة التركية ترغب في نقل الصراع بينها وبين الأكراد إلى الداخل السوري، مستغلة الفراغ العسكري الذي أحدثه قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من الشمال السوري. وتتبع حكومة رجب طيب أردوغان هنا نفس النهج العنيف الذي وظفته مرات ومرات ضد الأكراد في الشمال العراقي منذ الغزو الأمريكي في 2003 ولم يحد منه سوى عودة الجيش العراقي إلى الشمال وتطور القدرات القتالية للوحدات الكردية (البيشمركة).
في سوريا اليوم، كما في العراق قبل سنوات، تستغل حكومة أردوغان ظرف غياب الجيش الوطني وحالة السيولة في المناطق الحدودية للتأسيس لوضع جيو-استراتيجي جديد يسمح لها بالضغط العسكري المستمر على الأكراد، ويحول دون التعاون بين الحركات الكردية في الشمال السوري وبين المنظمات الكردية في شرق وجنوب تركيا، ويحد من جاذبية المطالبة داخل تركيا بإقرار الحكم الذاتي للأكراد إن عملا بالنموذج العراقي وبه يتمتع الأكراد دستوريا وسياسيا وعمليا باستقلالية نسبية داخل تركيبة الدولة العراقية أو تأثرا بتطورات الوضع الكردي في سوريا خلال السنوات الماضية وفي سياقها تبلور وجود عسكري ومدني مستقل للأكراد حتما سيفرض حقائقه على ترتيبات ما بعد انتهاء الحرب الأهلية.
ولا تعدم حكومة أردوغان في عدوانها العسكري على الشمال السوري التأييد داخل منظومة الدولة التركية وفي الفضاء العام وبين القوى السياسية العلمانية (الليبرالية واليسارية والقومية) التي تعارض في الداخل توجهات وممارسات أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم. فالامتناع عن الاعتراف بالمطالب المشروعة للأكراد داخل تركيا، سواء تعلق الأمر بالحكم الذاتي أو بمنح شيء من الاستقلالية السياسية والإدارية للأقاليم ذات الأغلبية الكردية أو إقرار مبادئ مواطنة الحقوق المتساوية للأكراد والتوقف عن تعقب واضطهاد الأحزاب الكردية، يمثل مكونا أساسيا للأيديولوجية الكمالية (نسبة إلى مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك) ويتمتع بدعم المؤسستين العسكرية والقضائية ويندر على الرغم من جوهره العنصري وغير الديمقراطي الواضح أن يجهر برفضه مثقفون أو إعلاميون أو أكاديميون (وإن فعلوا، فمصيرهم التعقب والقمع والعقاب).

بل إن الأحزاب السياسية التركية التي تعارض حكومة أردوغان ودأبت على التحالف مع أحزاب الأكراد في الانتخابات البرلمانية والمحلية، سرعان ما أعلنت تأييدها الكامل «للعمليات العسكرية» في شمال سوريا وأنتجت خطابا قوميا يضع الأكراد في الداخل التركي كما في العراق وسوريا في خانة الأعداء والمتآمرين ويتجاهل التداعيات الإنسانية الخطيرة للعدوان التركي.
على وقع تبرير العدوان على الأراضي السورية وتمرير الرفض الفاشي لحق الأكراد في شيء من الاستقلالية، تغيب التمايزات بين الإسلاميين والعلمانيين في تركيا وتصير العلاقة المضطربة بين أردوغان والمؤسستين العسكرية والقضائية علاقة تحالف وتذبح في الفضاء العام التعددية وحرية التعبير عن الرأي وتختفي السمات الديمقراطية للحياة السياسية. فالجميع في اضطهاد الأكراد على قلب ديكتاتور واحد، والأغلبية في تبرير العدوان على سوريا والعصف بسيادة شعبها سواء.
ويتشابه مع هيمنة التوجه الواحد فيما خص الأكراد وسوريا داخل منظومة الدولة التركية وفي الفضاء العام والحياة السياسية، يتشابه معه موقف قوى سياسية عربية مثل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وفي مصر التي تقدم إن تحالفاتها الوقتية مع أردوغان أو صراعاتها مع حكومات عربية ترفض السياسات التركية في الشرق الأوسط على أولوية الدفاع عن سيادة الشعب السوري بكل مكوناته العرقية على أراضيه وتنتج خطابا بائسا لتبرير العدوان التركي لا يقل في فاشيته باتجاه الأكراد عن فاشية الخطاب الأردوغاني.

مقالات ذات صلة