أميركا تنسحب وتركيا تغزو وروسيا تتقدم
عمار ديوب

صار مُجمعاً عليه أن الرئيس الأميركي ترامب اتفق مع نظيره التركي أردوغان على المنطقة الآمنة في داخل الحدود السورية الشمالية، وأن الأخير، استغل ذلك، لينهي أي شكل للإدارة المدنية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحزب الاتحادي الديمقراطي (الكردي)، أي ليس الأمر إبعاد العسكر الكرد عن الحدود، بل إفشال أي شكل مؤسساتي لهم. تنهي العملية التركية الجارية حاليا أوهام فروع حزب العمال الكردستاني بتأسيس تلك الإدارة بالتوافق مع الأميركان، وهؤلاء ما كانوا ليصبحوا على ما هم عليه لولا التنسيق مع النظام أولاً وضد الثورة، ومن ثم مع روسيا وإيران، وأخيراً مع الأميركان، وطبعاً حاولوا الوصول إلى صفقةٍ مع حكومة أردوغان من قبل. في كل الأحوال، ينهي الغزو التركي “قسد” عملياً، ويتضمن بالضرورة خروج القوات الأميركية على مراحل، وريثما تتأمن المدن التي فيها أكراد كثر. الروس وحليفهم النظام وتركيا هم من سيكون الوريث للأميركان، وسيكون أي تحرّك للإيرانيين مرفوضاً، فهذا مما هو مجمع عليه دولياً. وبذلك، تعيد تركيا حجم الأكراد إلى ما توافق عليه السوريون ومن كل القوميات، أي تطبيق حق المواطنة للجميع، وإعطاء الحقوق الثقافية والاجتماعية، وهذا الممكن الوحيد لكل قوميات سورية.
كان واضحاً أن “قسد” لن تحارب بشكل فعلي، وستكون مواجهاتها فقط من أجل تدوير الزوايا وتخفيف الكُلف، والوصول إلى حلٍّ للوضع المستجد في الجزيرة السورية. ولهذا، نجدها تتخلى عن مناطق كثيرة بشكل استلام وتسليم، وتحارب في مناطق معينة. وقد دفعتها براغماتيتها الكبيرة فوراً إلى التوافق مع الروس على دخول قواتهم وقوات النظام، وبما يحدّ من الهجوم التركي ويُسلم مناطق التماس للروس. النظام كما الروس لن يعترفوا بأي فصيلٍ مسلح خارج المؤسسة العسكرية والأمنية له، وهذا يشمل “قسد” والفصائل التابعة لتركيا لاحقاً، وكذلك الفصائل في إدلب؛ وبالتالي أي دراسة لما لسياسات “الاتحاد الديمقراطي” ومنذ 2011، و”قسد” من بعد، تفيد بأن وظيفتهما كانت التنسيق مع النظام، وعلى الرغم من الخلافات ببعض القضايا، وبما يمنع تسليم مدن وبلدات كثيرة في شرق سورية لفصائل وقوى مناهضة للنظام أو إسلامية. وأتى التعاون مع الأميركان بسياق البراغماتية، وشعور “قسد” وحزب الاتحاد الديمقراطي بأن النظام قد هلكَ وضَعُفَ في بعض الفترات، ولكن لم يكن هناك عداء حقيقي، والدليل هنا أن النظام لم يُخل القامشلي ولا الحسكة، وزار بعض ممثليه مناطق كان تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فيها وحرّرها الأميركان و”قسد” بعد 2016.
للعملية التركية حدود، وأردوغان وحكومته يتعرّضان لضغوط شديدة أوروبيا وأميركيا وروسيا، وإن تباينت هذه الضغوط، ولأسباب شتى، تظل تركيا ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودولة إقليمية فاعلة، وعليها صراع بين روسيا والغرب. وبالتالي، لا يمكن مقارنتها بقوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي، هذه قضية محسومة، وبذلك تتمدّد تركيا بشكل سلس، وليس بحروب حقيقية. الأسوأ في ذلك كله إعادة ملايين السوريين وتوطينهم، وهذا سينشئ حاجزاً عربياً وتوازناً ديموغرافياً لصالح العرب على الحدود بين تركيا وسورية، وصراعات مستقبلية كبيرة بين العرب والكرد والعرب أنفسهم، حيث ستُرحلُ إليها جماعاتٌ بشريةٌ ليست من تلك المناطق. وسيكون التغيير الديموغرافي هذا، وفي حال حصل فعلياً، بالتنسيق مع الروس بالضرورة، وبالتالي هو تغيير في سياق توافقات الدول المحتلة لسورية، وبما يؤسّس لمناطق طائفية متوزّعة هنا وهناك! والسؤال، لماذا لا تتم إعادة الأهالي إلى مدنهم؟ ولماذا يوافق الروس على هذه الخطوة؟ ويفتح هذا الأمر النقاش بشأن طبيعة الاحتلالات على سورية، ورؤيتها الطائفية لهذا البلد، وكيفية إيجاد مشكلات مستمرة بين السوريين، وبما ينشئ الأرضية لبقاء الاحتلالات.
الخروج الأميركي والغزو التركي يفتحان شهية روسيا وإيران، ولهذا تحاولان وراثة الولايات المتحدة، حيث أغنى مناطق سورية بالنفط والغاز والمياه والأراضي، وحيث التنوع القومي، وسهولة اللعب بهذا التنوع الرافض والكاره لبعضه، وليس فقط منذ 2011 بل وقبل ذلك، وما فعله “الاتحاد الديمقراطي” عزّز من ذلك، ومدّه بكل أسباب الخلاف. ولكن، هل ستكون هناك صفقة بين الروس والأتراك، يأخذ الروس بموجبها إدلب وتأخذ تركيا مناطق واسعة في الجزيرة السورية؟ بالتأكيد هذه صفقة ضيزى، وبالتالي، هي خارج النقاش، والموضوع الآن: كيف ستتم السيطرة على القامشلي والحسكة ودير الزور والرّقة؟ هنا الموضوع حالياً. سيطرح ذلك مجدّداً كل السياسات الاحتلالية على سورية، حيث كانت تجمعهم العدائية للأميركان، والآن يرحلون؟
ليس هناك من وضوح كامل لما سيجري، سيما أن الرئيس الأميركي ترامب وفريقه قد يعدلون من آلية الانسحاب، وليس من القيام به، والخلاف الآن يُطرح بقوة بين روسيا وإيران، حيث ستحاول الأخيرة الحفاظ على خط برّي لصالحها يمر بالموصل ويصل إلى اللاذقية وطرطوس. وروسيا، المعاقبة أميركياً وأوروبياً، تريد حصة الأسد من نفط وغاز سورية، وأردوغان لا يثق بروسيا ولا بإيران، وبالتالي هو يحاول زرع “أنصاره” وإقامة منطقة آمنة لحدوده، ينهي فيها أي وجود مؤسساتي كردي، ويحارب بها المعارضة التركية، ويوجِد مشكلة قومية مستمرة في سورية، ويعزّز وجوده من أجل الصفقة المستقبلية.
هذه هي حدود تركيا حالياً، وفي حال كانت الرؤية الروسية كما أوضحت، إيجاد بيئات مجتمعية متخالفة وموزعة في سورية طائفياً، ستصل روسيا إلى صفقة مع أردوغان، وهي بكل الأحوال وافقت على العملية من قبل، وبذلك يتوارثان تركة الرجل المنسحب، وليس كما تقول تحليلات إن خلافاً سيتصاعد بينهما بعدها. صحيح أن تجربة إدلب، كمنطقة خفض التصعيد، وإن روسيا وتركيا اتفقتا عليها، وإن روسيا لم تحترم بنودها، ولكن تركيا أيضا لم تنفذ المطلوب منها؛ الأمر قد يتكرّر في شرق سورية، ولكنه لن يلغي أن سيطرة واسعة لتركيا ستكون عليها، وليس فقط الثلاثين كيلومترا. ويؤكد الروس أن أمر تلك المنطقة ستنظمه اتفاقيه أضنة، ولكن هذا أيضا أصبح خلف ظهر أردوغان. وبذلك نصل إلى خلاصة أوليّة: سيكون هناك توافق بين الروس والأتراك في شرق سورية، لن تستفيد منه إيران. أما جيش النظام فيتحرّك وفقاً لمشيئة الروس. وقوات سوريا الديمقراطية ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد) سيتلاشيان. وهذا سيفتح باب التغيير في النظام ذاته، ولكنه مؤجل حالياً إلى لحظة الوصول إلى صفقة بين تركيا وروسيا إيران وإسرائيل، وسيظل لأميركا ولأوروبا والخليج دور في تلك الصفقات، وإن بشكل أقل من قبل.

مقالات ذات صلة