لبنان: “فهمناكم” ولكن
حسام كنفاني

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في لبنان، وبالشكل التي ظهرت فيه خلال الأيام الماضية، لجهة كسرها الحسابات الطائفية والمناطقية والحزبية، تقاطر المسؤولون اللبنانيون على شاشات التلفزة في خطاباتٍ لمحاولة تهدئة الشارع الغاضب، وحتى ركوب موجة المطالب، باعتبارها المطالب ذاتها لهذا المسؤول أو ذاك. خطابا رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية (رئيس التيار الوطني الحر)، جبران باسيل، ظهرا أقرب إلى خطاب الرئيس التونسي المخلوع (الراحل) زين العابدين بن علي، والذي خرج به إلى التونسيين لمحاولة تهدئتهم، قائلاً “أنا فهمتكم”، وهي مقولةٌ كانت كافيةً لإسقاطه في الشارع، خصوصاً أنه انتظر نحو 25 عاماً، هي المدة التي قضاها في السلطة، ليفهم ماذا يريد شعبه.
الأمر نفسه بالنسبة إلى الحريري وباسيل، مع فارق أن لبنان ليس تونس، والحسابات المعقدة في الداخل اللبناني لا تحتمل أي إسقاطاتٍ شبيهة بالتي حصلت في أيٍّ من بلدان الثورات العربية، لا تونس ولا مصر ولا اليمن سابقاً، ولا حتى السودان والجزائر لاحقاً. الأمر الذي أكّده خطاب الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، وهو الذي قدّم نفسه باعتباره عرّاب “العهد” (الصفة التي تطلق على حكم الرئيس اللبناني ميشال عون)، وبالتالي حاميه، وهو ما قاله صراحة رافضاً إسقاط حكومة سعد الحريري أو عهد ميشال عون، من دون طبعاً أن ينسى إعلان تضامنه مع المتظاهرين ومطالبهم على طريقة “فهمناكم”. لكن الفهم هنا لا يغيّر شيئاً في المعادلة الحالية، ولن يغيّر من تحالف السلطة القائمة، المحمي بسلاح حزب الله، ومن لفّ لفيفه من القوى السياسية المسلحة، على غرار حركة أمل، برئاسة رئيس مجلس النواب، نبيه بري، والتي أطلقت مليشياتها لمواجهة المتظاهرين في المناطق الجنوبية التي تعد معقلاً لحزب الله وحركة أمل.
الأمر نفسه في حال تمّت تلبية طلبات بعض المتظاهرين بتدخّل الجيش في السياسة، وهو أمر على خطورته، بعدما رأينا التجارب المصرية والليبية وغيرها من الحكومات العسكرية، لا يمكن أن يستقيم في لبنان، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار أن الجيش في البلد هو انعكاس للطبقة السياسية ومحاصصاتها الطائفية، الأمر الذي تمّت تجربته سابقاً خلال الحرب الأهلية التي أدت إلى انقسام الجيش على نفسه، قبل أن يُعاد توحيده بعد اتفاق الطائف وفق المنطق الطائفي والمذهبي نفسه. وإذا افترضنا أن الأمر لن يحصل حالياً، ولن يكون الوضع كما هو عليه إبّان الحرب الأهلية، لا يمكن تجاهل أن الجيش اللبناني هو الطرف المسلح الأضعف في المعادلة اللبنانية، والتي يأتي في قمتها العسكرية حزب الله وجيشه، والذي لا يرى مصلحةً في تغيير المشهد القائم، وهو سيمنعه بالقوة في حال وقوع أي سيناريو من شأنه قلب المعادلة، وبالتالي حتى لو أراد الجيش تنفيذ انقلاب، فإنه لم يكون قادراً على ذلك.
أمام هذا الواقع اللبناني المعقد والمتداخل، قد يبرز تساؤلٌ عن الأفق الذي يمكن أن تذهب إليه التحرّكات الشعبية، وإلى أي مدىً سيكون لها ثقل في إحداث تغيير أو إصلاح حقيقي في الداخل اللبناني. الأمر يعتمد بالدرجة الأولى على النفَس الطويل للمتظاهرين، سواء لجهة الإبقاء على زخم تحرّكاتهم، أو بعزل أنفسهم تماماً عن الطبقة السياسية والحسابات الطائفية، ولعل الأمر الأخير يأتي في مقدمة شروط إحداث التغيير، خصوصاً أنه النقطة الأساسية التي تقلق الزعماء السياسيين والدينيين في البلاد، والذين كانوا يرون في أفراد الشعب ملكاً خاصاً لا يحق لأحد التدخل فيه، ويمكن أن تتحكم به كيفما تشاء. زيادة مثل هذا الوعي بين اللبنانيين هو أساس التغيير المنشود، والذي يمكن التأسيس عليه لقلب معادلة التركيبة اللبنانية، ولو على المدى البعيد، وفقط حينها سيكون لبنان جاهزاً لتداعيات كلمة “أنا فهمتكم”.

مقالات ذات صلة