لبنان.. ماذا بعد؟
معن البياري

هل الانتفاضة اللبنانية الراهنة الجامعة من أجل إسقاط الحكومة الحالية، أم لإسقاط النظام معها؟ استثنائية الحدث، الغزير المغازي والمعاني، واتساع الحراك الاجتماعي في عموم البلد، وفي معاقل زعامات كياناتٍ حزبيةٍ طائفية، يؤشّران إلى أن اللبنانيين، في غضبتهم غير المسبوقة لوناً ومزاجاً وشعارات، ساخطون أصلاً على النظام الذي أنتج الحكومة الحالية، والذي في وسعه أن ينتجَ أخرى مثلها، أو شبيهةً، أو معدّلةً، أو بين بين، ولكن إسقاطهم له عسيرٌ وعويص. فأن تسقط الحكومة، أي أن يستقيل رئيسُها ووزراء فيها، فتفرط، أمرٌ ممكن، والبادي أن بعض مكوّناتها راغبون بهذا، وقد يحدُث هذا الاحتمال بين لحظةٍ وأخرى، سيّما إذا استعصى تمرير الورقة “الإنقاذية” المطروحة في المداولات الحكومية الجانبية، ومع رئاسة الجمهورية، بشأن إصلاحاتٍ ماليةٍ، خاليةٍ من أي ضرائب مفروضة على ذوي الدخل المحدود، مع رفع الضريبة على أرباح المؤسسات المالية. ولكن استقالة الحكومة لا تعني أن أزمة بلدٍ إجماليّ دينه العام 86 مليار دولار (في الربع الأول من العام الحالي، 2019، بحسب وزارة المالية) ستنحلّ، وهو بلدٌ تفاجئه حرائق واسعةٌ في غاباته، فتُصارح السلطة الشعب بأن طائرات الدفاع المدني لإطفائها لا تعمل، وبحاجةٍ إلى صيانة. بلدٌ يُحبَس فيه ممثلٌ وكاتب، اسمه زياد عيتاني، ويُتّهم بالعمالة لإسرائيل، فيما القصة عبث مسؤولةٍ كبيرةٍ في بوليس الدولة في صفحة “فيسبوك”. بلدٌ صدقَ الرجل النظيف فيه، سليم الحص، لمّا قال إن فيه كثيراً من الحرية وقليلاً من الديمقراطية.
بدت تكوينات السلطة، في الحكومة والنظام، على اصطفافاتها نفسِها، وهي “تُكاشِف” الجمهور اللبناني العريض بمواقفها بشأن الحراك الساخط، فحزب الله وحليفه التيار الوطني الحر يتمسّكان ببقاء الحكومة، بدعاوى الاستقرار وتخويفاً من الكلفة السياسية، والأمنية ربما، لاستقالتها بانتظار تشكيل أخرى بديلة، بموجب انتخاباتٍ تشريعية مبكرة أو توافقات عسيرة تبحث عن صيغ ترقيعية. وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي لا يلحّان على بقاء الحكومة، وشريكُهما، القوات اللبنانية، يخرج منها، استشعاراً منه بأنه لا يخسر شيئاً بذلك، وهو الذي لم يكسب ما يحسّن مواقعه من وجوده في الحكومة، بعد إحرازه 15 مقعداً نيابياً في انتخابات 2018. ومع إجماع هؤلاء، وإنْ بكيفياتٍ متباينةٍ، على أن مقادير من المسؤولية بشأن الوضع العام المتردّي اجتماعياً واقتصادياً يتحمّلونها، إلا أن هذا لا يأخذُهم إلى المنطقة التي يريدها الشارع الغاضب، وهو انسحابهم كلهم (كلّنْ يعني كلّن) من المشهد، ما يعني أن قطبة التأزّم الحادث هي هنا بالضبط، ذلك أن في وُسع رموز السلطة، وهم أقطاب الحصص الطائفية في النظام في طوْره الراهن، أن يبتدعوا صيغاً تُسعفهم في الاحتفاظ بمواقعهم، وزراء ونواباً وزعاماتٍ، وأصحاب سلطةٍ وامتيازات ونفوذ، مراهنين على عامل الوقت، وعلى ترضياتٍ إجرائيةٍ، أساسها الكفّ (مؤقتاً؟) عن فرض ضرائب جديدة، وتيسير عمليات الإقراض، وبعض السيطرة على الأسعار، وتحسين مرافق وقطاعات خدمية. وإذا ما جرى السير في سكّةٍ كهذه، فإن النظام المطالَب بسقوطِه سينجو من الإلحاح على سقوطه المشتهى.
فاض ما فاض من الكيل الذي طفح على كل التركيبة التي انبنت منها السلطة الظافرة بالحكم ومحاصصاته وامتيازاته، كما تنطق بذلك الغضبة الشاسعة في عموم بلدات لبنان ومدنه وقراه، في شماله وجنوبه وبقاعه، وكما تتّحد في الجهر بهذا حناجرُ اللبنانيين، من دون تعيينٍ مذهبي أو طائفي أو مناطقي، أو تحديد ولاءاتٍ لمخاتير وزعامات وعمائم. وذلك يعني، من بين كثيرٍ يعنيه، أن النظام صار قابلاً للاهتزاز، بل والارتجاج، وربما أكثر منهما. وإذا ما حافظ حراك الشارع الموحّد على زخمه الذي أفرح الشارع العربي عموماً، وإذا ما أمكنه أن يحمي نفسَه، عندما تتشكّل له قيادةٌ ميدانيةٌ تمثّله، وتفرض حضورَها وقوتها، وتصبح صاحبة مقترحٍ وازن في أخذ لبنان إلى منعطفٍ آخر في بنية نظامه السياسي، فإن هذا النظام لن يذهب إلى اهتزازٍ وارتجاجٍ مأموليْن فحسب، وإنما إلى ما هو أعمق.. عندها، يكون لبنانٌ جديدٌ قد صنعه شبابُه وفقراؤه ونخبُه المنحازة حقاً إلى دولةٍ عادلة، وعندها يكون الربيع اللبناني قد أخذ الحاضر العربي إلى غبطةٍ أجمل.. تُرى، هل يحدث شيءٌ كهذا، أو بعضٌ منه؟

مقالات ذات صلة