كلكن يعني كلكن.. جوهر الربيع العربي الذي لم ينته!
فراس أبو هلال

ما من شعب عربي إلا وأبدع في اختيار شعاراته خلال ثوراته الشعبية التي انطلقت من تونس، ولم تنته في لبنان. وتكمن أهمية الشعارات في أنها تعبر عن روح الشعب الجمعية، وهي روح لا تخطئ أبدا، ولا تهزم، حتى لو تعرضت للكسر والخسارات الموضعية، إلا أنها لن تهزم أبدا.

وكغيره من الشعوب العربية، أبدع الشعب اللبناني في اختيار ونسج شعاراته، فكان النداء الأهم في المظاهرات التي تعم البلاد، عابرة للمناطق والطوائف: كلكن يعني كلكن، أي جميعكم يعني جميعكم. يحمل الشعار الأثير معنى عابرا للخلافات، ولدينميات دولة الطوائف والأمراء التي صنعت في لبنان عبر عقود، فهي تعني أن الشعب في مواجهة مع جميع الطبقة السياسية والطائفية التي تتحكم بالبلاد، وتقود المواطنين لصراعات لا تنتهي، يدفع الشعب دائما ثمنها، وتستفيد منها الطبقة الحاكمة من كل الطوائف.

ولذلك، فإن الشعار يمثل جوهر الصراع الذي بدأ بانطلاق الربيع العربي من تونس، وهو الصراع بين الشعب بكل فئاته وطبقاته المتوسطة والفقيرة، وبين الطبقة السياسية والأقليات الزبائنية التي تستفيد وتعتاش من السلطة ومن إثارة الخلافات بين الناس. إنه الجوهر الذي يعني أننا، جميعنا، في مواجهتهم: جميعهم.

وإذا كان الشعار قد نسج من روح الشعب اللبناني ليعبر عن واقعه السياسي والاجتماعي، إلا أنه يمثل بدون شك جوهر الصراع في المنطقة العربية برمتها، بين الشعوب بأغلبيتها الساحقة المهمشة والمفقرة، وبين الطبقات السياسية التي تمتص خيرات البلاد، وتعمق الصراعات بين فئات الشعب، وتتحكم بمصيره ومستقبله.

إن الربيع العربي في جوهره هو صراع بين الشعوب وبين نخب الدولة الوطنية التي فشلت في تحقيق أهدافها الرئيسية، في حماية البلاد وقيادتهم بعدل وشفافية، وبتوزيع الثروات، وبصناعة دولة المواطن لا دولة الفئات أو القبيلة أو الطائفة، ولذلك لا يمكن فهم الحالة اللبنانية إلا في وضعها بسياقها العربي، ولا يمكن فهم ثورة شعب لبنان إلا بوضعها في سياق الثورات العربية التي لم تنته بعد، ولن تنته إلا بالانتصار على فشل الدولة.

واعتقدت دول “الثورة المضادة” والنظام القائم منذ “الاستقلال” أن المعركة حسمت لصالحها، خصوصا بعد نجاحها بتوجيه ضربة كبيرة للثورة المصرية واليمنية والسورية، ولكن الأحداث تثبت يوما بعد يوم أن الصراع لم ينته بعد، وأنه لا يمكن أن ينتهي إلا بنجاح كل الشعوب العربية بتحقيق أهدافها المشروعة بالحرية والكرامة والحكم الرشيد، ولهذا، فما أن تنتهي جولة من الصراع، إلا وتندلع جولة جديدة في بلد جديد، رافعة شعارات جديدة تمثل جوهر الربيع العربي.

لا تخطئ العين عند متابعة المظاهرات اللبنانية أنها تأتي في نفس هذا السياق، ولهذا فقد حضرت فلسطين وسوريا وتونس في شعارات المتظاهرين، لتؤكد بعدا أخر متأصلا في ثورات الشعوب العربية، وهو أن هذه الشعوب نبضها واحد، وأهدافها واحدة، وأنها تتأثر بما يحدث لدى الشعوب العربية الأخرى.

تراجعت الثورات الشعبية عند الضربة التي وجهت لثورة مصر عبر الانقلاب العسكري، وعند تخلي الجميع عن الشعب السوري المظلوم، وعند خيانة الدول العربية للشعب اليمني، ولكن دورة جديدة بدأت تستلهم الجولة الأولى من الثورات، لتنطلق في الجزائر والسودان والعراق ولبنان، وإضراب المعلمين في الأردن الذي لم يكن سوى جزء من هذه الجولة.

وكما أن الشعوب العربية تعيش ثوراتها في سياق واحد، فإن النظام القديم والطبقات الحاكمة تسير في فلك واحد أيضا، ولذلك فلن نجد دولة عربية سعيدة بأي ثورة شعبية، وهي وإن كانت على خلافات عميقة بينها إلا أنها تتفق في عدائها للثورات لأنها تخشى من انتقال العدوى لشعوبها، وهي عدوى ستنتقل يوما ما شاءوا أو أبوا.

إن ما تشهده دول المنطقة العربية، وآخرها لبنان، هو حركة تاريخية عارمة، لا يمكن أن تنتهي إلا بتحقيق تغييرات تاريخية كبرى. قد تكون الطريق شائكة قبل أن تتحقق هذه التغييرات، ولكنها حركة التاريخ التي لا تتوقف، وقدر الشعوب الذي لا يمكن إلا أن يتحقق، ولا إلا أن ينتهي بانتصارنا جميعا، عليهم جميعهم، كلهم يعني كلهم!

مقالات ذات صلة