اللبنانيون يقلبون الطاولة على الطبقة السياسية
سعد كيوان

قد يقول بعضهم إن “الربيع العربي” عاد إلى ساحات بيروت. إنها ساعات فرح وتحرّر وانعتاق، لا بل أيام منذ مساء الخميس الماضي، يعيشها اللبنانيون الذين احتشدوا في وسط العاصمة بيروت التي توافدت إليها تباعا حشود شبابية من مختلف المحافظات، ثم عمّت التظاهرات والاعتصامات المدن اللبنانية، من الجنوب إلى الجبل والشمال، وتحولت إلى انتفاضة عارمة في تاريخ لبنان الحديث، قدر حجم المشاركة فيها بأكثر من مليون ونصف مليون لبناني. سبقتها انتفاضة 14 آذار 2005 المليونية على أثر اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، والتي أجبرت بشار الأسد على إخراج الجيش السوري من لبنان، وأرست معادلةً وتوازناتٍ سياسيةً جديدة، ثم خطفت منهم. أما اليوم فإن ما يحدث غير مسبوق، ويمكن وصفه عن حق بـ”ربيع لبنان”، لأنها المرة الأولى التي يتحد فيها اللبنانيون، من كل الطوائف والمذاهب التي وُظفت باستمرار لتفريقهم، ومن كل المناطق والدساكر البعيدة، كما تخطّوا ولأول مرة انتماءاتهم السياسية وولاءاتهم الحزبية، وخرجت، بطبيعة الحال، عن سيطرة الأحزاب والتيارات السياسية. وهذا أمر في منتهى الأهمية، لم يكن من السهل أبدا تخطّيه، نظرا لما يعنيه التحزّب، وكيف يتحول ولاءً للزعيم أو القائد في دولنا المتخلفة. ناهيك بأن انتفاضة 2005 قد أدت إلى انقسام حاد بين اصطفافين (14 آذار و8 آذار)، ودفعت معظم أبناء الطائفة الشيعية إلى الانضواء تحت لواء “الثنائي الشيعي” (حركة أمل وحزب الله) الذي يحتكر التمثيل الشيعي. يبدو أن الثورة الشبابية السلمية كسرت هذه الحلقة بالذات، فقد عمّت التظاهرات لأول مرة مدنا شيعية بامتياز، مثل صور والنبطية في الجنوب، معقودة الولاء للثنائي الشيعي، وكذلك بعض مدن البقاع مثل بعلبك وبريتال. وشكل هذا تحدّيا للطرفين الشيعيين، ما دفع الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، إلى التعبير عن امتعاضه قائلا إنه “يتفهم” تحرّكهم، ولكنه نصحهم بأن ينسحبوا بعد أن وصلت رسالتهم. كما أن مناصري حركة أمل التي يتزعمها نبيه بري تعرّضوا بالضرب لبعض القادمين إلى ساحات الاعتصام. وفي الشمال، شكلت طرابلس المفاجأة الأهم بالزخم الشبابي غير المسبوق إلى الشارع، وبشعارات سياسية ومدنية راقية. وهذا دحض أولا صورة عاصمة الشمال (إسلامية سنية) التي وُصِمت، في السنوات الأخيرة، بأنها معقل للإسلاميين والأصوليين، وحتى خزّان الإرهاب، وثانيا شكلت انتكاسة لرئيس الحكومة، سعد الحريري، الذي يعتبرها رافداً مهماً لزعامته وشعبية تياره الانتخابية، إذ لم يوفره المتظاهرون في انتقاداتهم اللاذعة والتنكّر لولائهم له. وينسحب هذا الأمر نفسه على التحرك الشعبي في محافظة عكار الشمالية المحرومة، والتي كانت معقودة الولاء لتيار المستقبل.
في المقابل، نزل أبناء المدن ذات الأغلبية المسيحية بكثافة إلى وسط بيروت، ومن ثم رابطوا في ساحات مدن ساحل وجبل لبنان، الذوق وجل الديب وجونيه وجبيل، معقل التيار العوني، وصبوا جام غضبهم بشكل مفاجئ على رئيس التيار وزير الخارجية، جبران باسيل، وتحدّاه المتظاهرون في مسقط رأسه شمالا في مدينة البترون. وكان الرجل قد هدّد، قبل أيام، من الاندلاع المفاجئ للشارع بأنه “سيقلب الطاولة” على من يعرقل خططه ويتآمر عليه، غير أن اللافت أن باسيل تحول إلى الهدف المفضل لكل المتظاهرين ولشتائمهم في كل المدن والساحات، لأنه بات الرجل القوي في تركيبة السلطة الحالية التي نشأت على أثر التسوية الرئاسية التي حملت في أكتوبر/ تشرين الأول 2016 ميشال عون (والد زوجة باسيل) إلى رئاسة الجمهورية، وأعادت الحريري إلى رئاسة الحكومة، وكان حزب الله مهندس هذه التسوية. وخلال السنوات الثلاث الماضية، قبض هذا الثلاثي على السلطة من دون أن يحقّق أي خطوات إصلاحية وعد بها، علما أن عون جاء إلى السلطة رافعا شعار “التغيير والإصلاح” ومتهما الآخرين بالفساد. في حين أن رائحة الصفقات والفساد تفوح اليوم من أركان السلطة السياسية، ومن كل مفاصل الحكم ومؤسساته. وهذا ما دفع الشارع إلى الانفجار، وتوجيه سهامه إلى الطبقة السياسية، وبالتحديد إلى الثلاثي عون- الحريري- نصرالله، ما يعني فشل التسوية الرئاسية التي يرعاها حزب الله، وهذا ما يفسّر تمسك نصرالله بالحكومة، ورفضه استقالتها، ورفض أي تغيير حكومي، لأنه أراد التسوية وعون رئيسا ضمانة لتعزيز وضعه الداخلي، وتحصينه تحسبا لأي تطورات إقليمية على ضوء تراجع الدور الإيراني في سورية، وما يحكى عن نية روسيا الاستعداد لتسهيل بدء تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 الذي ينص على مرحلة انتقالية، وقيام حكم انتقالي في دمشق. وقد قيل يومها في توصيف التسوية الرئاسية إن حزب الله ترك الكراسي لشركائه، واحتفظ هو بالسلطة! إلا أن المفارقة تكمن في أن الجميع فشل في إدارة الشأن الداخلي، والجميع تشارك في تقاسم مغانم السلطة، والكل يتهم الكل، والجميع غرق في الفساد، بما فيهم حزب الله.
وفوق ذلك كله، بدل أن يحاول أركان الحكومة والحكم معالجة الأزمة الاقتصادية ومخاطر الانهيار المالي، عبر توفير المال من ملفات ضبط التهرب الضربيي، ووقف تهريب ملايين الدولارات عبر المعابر غير الشرعية، واستيفاء الرسوم الجمركية، وكذلك دفع المصارف إلى المساهمة في تخفيض العجز وقيمة الدين العام، وغيرها من إجراءات كثيرة، لجأوا إلى وضع ضرائب جديدة على متوسطي الدخل والطبقات الشعبية أو ذوي الدخل المحدود، أو إلى زيادة سعر ربطة الخبز وزيادة سعر البنزين.. وأخيراً، وضع رسم على “واتساب” الذي شكل النقطة التي طفحت الكيل. لذلك طفح كيل اللبنانيين، وحدثت المعجزة، ونزلوا إلى الشارع، كما عبرت إحدى السيدات المشاركات في الانتفاضة أصدق تعبير قائلة: “لقد وحدونا”. وقد رفع هذا الشارع اليوم شعار رحيل كل السلطة السياسية، ومحاكمة ناهبي المال العام، ويرفض أي محاولة ترقيع أو استدراك للوضع عبر إقرار رزمة إصلاحات سريعة لم يتمكّنوا من تحقيقها خلال ثلاث سنوات، وفي مقدمها ملف الكهرباء، كما حاول أن يستلحق الحريري في 72 ساعة التي طلبها من الشارع، لكي يختبر مدى استعداد شركائه للتجاوب معه. تلقف حلفاء الحريري نبض الشارع، فسارع رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، إلى الاستقالة من الحكومة، واتخذ وليد حنبلاط لنفسه مهلة أيام لكي يحسم أمره. أما حزب الله، فهذا ما يريده ويسعى إليه، إلا أن الأوان قد فات بالنسبة للشارع، ويقول المحتجون علنا إنهم لا يثقون بأهل السلطة. تخطّاهم الشارع عمليا، وسيرفض أي بديل عن استقالة الحكومة ومجلس النواب. يريد أن يرى رؤوسا تسقط! وفي حال استحالة الأمر سيتأزم الوضع أكثر، وستحتدم المواجهة بين الطرفين، وسيصبح الكباش خطيرا.
مشكلة الحراك الشعبي أنه بلا رأس ولا قيادة، وربما هذا كان مكمن قوته حتى الأمس، لأنه حرم الحكومة وأركانها من محاولة جر المتظاهرين إلى التفاوض. وبالتالي، سيعمّق الرفض الكامل أزمة الطبقة السياسية، وسيدفعها إلى البحث عن أساليب ملتوية أو محاولة إجهاض الانتفاضة بطرق عنفية، إما عبر الأجهزة الأمنية أو من خلال تغلغل عناصر في صفوف المنتفضين. وكان نصرالله قد هدّد، السبت الماضي، في كلمته بأنه إذا اضطر للنزول إلى الشارع، فهو لن يخرج منه قبل تحقيق غايته (!). فما الذي سيضطره إلى النزول، وما هي الغاية التي يريد تحقيقها من ذلك؟ فإذا حصل مثل هذا المكروه وتم إجهاض “ربيع لبنان”، فهل بإمكان الحريري أن يتحمل المضاعفات، وأساساً هل بإمكانه أن يبقى وحيداً على رأس حكومةٍ يتحول فيها أسيراً لحزب الله؟ المواجهة ستبقى مفتوحة على مختلف الاحتمالات.

مقالات ذات صلة