الانتخابات الفلسطينية بين حمّى الوهم وصقيع الواقع
أنيس فوزي قاسم

ارتفعت، في هذه الأيام، درجة حرارة النقاش في أوساط الفصائل الفلسطينية بشأن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فهناك فصائل تطالب بإجراء انتخابات متزامنة لمنصب الرئاسة الفلسطينية، ولانتخابات المجلس التشريعي في آن واحد، بينما تطالب فصائل أخرى، وفي مقدمتها حركة فتح، بأن تجري الانتخابات بالتتابع، بحيث تبدأ انتخابات لأعضاء المجلس التشريعي أولاّ، ثم تليها انتخابات الرئاسة. واستبقت “فتح” الأحداث بإعلان أن الرئيس محمود عباس هو مرشحها الوحيد للانتخابات الرئاسية. وتستعد لجنة الانتخابات المركزية للعملية الانتخابية، سواء جرت بالتزامن أو بالتتابع، وبدأت اللجنة مشاوراتها مع الفصائل والقوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني في الضفة الغربية، وتستعد بعد ذلك لزيارة قطاع غزة.
في وسط هذه الحمّى، تبدو صورة المشهد الفلسطيني لوحة كاريكاتيرية غارقة في الأسى والحزن والوهم، وكأننا في مسرحٍ نشاهد عليه مسرحيةً هزليةً سوداويةً. مؤكد أن لا أحد في أوساط قيادات الفصائل، وهي قياداتٌ مجرّبة وذات تاريخ طويل في النضال، يغفل حقيقة أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية تجري تحت سقف اتفاقية أوسلو، والتي اقتصرت على فلسطينيي الداخل المحتل، واستثنت نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، كما تعلم هذه القيادات أن أمامها تجربة عملية مؤدّاها أن أي انتخابات رئاسية أو تشريعية إنْ لم تأت على مقاس سلطة الاحتلال سيكون مصيرها السجن والتشريد والسُّم. وهذا ما انتهى إليه حال المجلس التشريعي المنتخب في العام 2006، وما انتهى إليه حال المرحوم ياسر عرفات الذي تتفق الغالبية العظمى من هذه القيادات على أنه مات مسموماً من الاحتلال، لأنه لم يعد شريكاً للسلام. فما الفائدة من إجراء انتخابات إذا جاءت بعناصر تحاول مقاومة الاحتلال وتخرج على طوق “أوسلو”؟ وحال الانتخابات الرئاسية ليس أفضل، ومصيرها ليس مضمونا. ألم يعلن الرئيس عباس، في أكثر من مناسبة، أنه لا يستطيع الخروج من رام الله أو الوصول إلى مكتبه بدون تنسيق مع سلطة الاحتلال؟ ولا أظنّ أن قيادات الفصائل أغفلت تصريح عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات: “سأقول أموراً قد تغضب الرئيس الفلسطيني محمود عباس.. أنا أعتقد أن الرئيس الحقيقي للشعب هو وزير الجيش أفيغدور ليبرمان. أما رئيس الوزراء الفلسطيني فهو المنسق بولي مردخاي”. (صحيفة الشرق الأوسط، 20/2/2018)، وكرّر عريقات ما سبق أن قاله عباس إن الرئيس “لا يمكنه التحرّك من رام الله من دون إذن من مردخاي وليبرمان”، وهذه تصريحاتٌ صحيحةٌ تماماً، وتتفق مع ما ورد في اتفاقيات أوسلو.
وللتذكير، فإن اتفاقية أوسلو للعام 1995، وهي الاتفاقية الأم من بين اتفاقيات أوسلو جميعها، نصت على أنه حين يتم نقل الصلاحيات للمجلس الفلسطيني المنتخب (صار يسمى “المجلس التشريعي”) من الإدارة المدنية، ويتم حلّ الإدارة المدنية بعد ذلك، ولكن يظل الحكم العسكري قائماً. هذا الترتيب يعني أن المجلس المنتخب وسلطته التنفيذية، واللذين يشكلان معاً “سلطة الحكم الذاتي” سوف يقومان بما كانت تقوم به الإدارة المدنية. ونعلم أن الإدارة المدنية هي من صناعة الحكم العسكري، وتستمد صلاحياتها منه بموجب الأمر العسكري رقم 947 الصادر في 8/11/1981. يؤدي هذا التحليل إلى نتيجةٍ مؤداها أن مصدر صلاحيات الإدارة  المدنية، وبالتالي السلطة الفلسطينية، بما فيها المجلس التشريعي وذراعها التنفيذي، والمسمّى تجاوزاً “مجلس الوزراء ورئيس السلطة الفلسطينية”، هو الحاكم العسكري، وهذا ما أكدّه المحامي الإسرائيلي يؤئيل زنجر، المهندس الرئيسي لاتفاقية أوسلو، في أكثر من مناسبة.
وقيادات السلطة الفلسطينية على وعي تام بهذه المعضلة التي تحاول تجاهلها. ولا أدلّ على ذلك من المناقشة التي جرت في جلسة “مجلس الوزراء” الفلسطيني رقم 165، والذي أكدّ، في ختام اجتماعه، رفضه مضاعفة إسرائيل عدد العاملين في الإدارة المدنية “والتي كان من المفترض حلّها منذ سنوات حسب الاتفاقيات الموقعة”، ولاحظ المجلس أن الإدارة المدنية “ما هي إلّا الذراع الرئيسي للاحتلال”. (الموقع الإلكتروني للحكومة الفلسطينية، تاريخ 5/3/2019). ورئيس الوزراء الجديد، الأخ محمد اشتية، على علمٍ كافٍ بهذا الواقع، حيث حذر، قبل توليه رئاسة الوزراء، مما تقوم به الإدارة المدنية ومن أنه إجراء يقوّض سيطرة السلطة الوطنية.
إذا كانت مرجعية سلطة الحكم الذاتي، مهما اختلفت الأوصاف والمسميات، هي الحكم العسكري، فلماذا هذه الحمّى المتزايدة والنقاش المحتدم بين دعاة التزامنية أو التتابعية في انتخابات الرئاسة وانتخابات المجلس التشريعي؟ وإذا كانت هذه الحمّى مفهومة في سياق الفصائل التي آمنت بالتسوية السياسية بموجب اتفاق أوسلو، فإنه من المثير للاستهجان أن حركة حماس، والتي تدعو، بصوتٍ عالٍ، إلى محاربة اتفاقية أوسلو ونهج التسوية السياسية، هي أعلى الأصوات في مسألة الانتخابات، وكأن تجربتها في انتخابات العام 2006، وما انتهى إليه أعضاء المجلس التشريعي المكون في غالبيته من “حماس” لم تترك آثارها على تفكير الحركة. ألا نعلم أنه كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون؟!
الخلاف المحتدم بين الفصائل بشأن الانتخابات مصطنع، لأن نتيجتها يجب أن تكون، في مطلق الأحوال، على مقاس سلطة الاحتلال، وإن لم تكن، لن يكون هناك مجلس تشريعي ولا شكل من أشكال السلطة، وتجربة العام 2006 كانت مثالاً ساطعاً، كما أن توقيف موكب رئيس الوزراء محمد اشتية، الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، وحسب الروايات المتداولة في أروقة رام الله، على حاجز إسرائيلي دليل أكثر سطوعاً، إذ إن الحاجز منع مرافقي اشتية من المرور، وسمح له أن يمر كأي مواطن عادي، من دون الحراسة المرافقة لرئيس وزراء. أي أن المهم ليس ما تفرزه إرادة الشعب الواقع تحت الاحتلال، بل الأهم ما يقبله الحكم العسكري الإسرائيلي. أي أن ما تفرزه الإرادة الشعبية يجب أن يتوافق مع إرادة المحتل. هذا، في الواقع، تزوير لإرادة شعبنا في الأراضي المحتلة، ومن غير اللائق إطلاق صفة “انتخابات” عليها، طالما هي تجري بهذه المواصفات. وبالتالي، من الحرج أن يتم التحضير لها بهذه الدرجة من الحمّى العالية.
وإذا كان من المثير للدهشة أن يحتدم النقاش بين الفصائل بشأن انتخاباتٍ وهميةٍ ومصطنعةٍ كالتي يتم التحضير لها حالياً، فإن من المستغرب ألا تطرح الفصائل، على نحو جدّي، مسألة انتخاباتٍ لمجلس وطني يستمد شرعيته من مجموع الشعب الفلسطيني في داخل فلسطين وخارجها، ويكون في إمكان هذا المجلس إفراز قيادة منتخبة من مجموع الشعب، بدلاً من إفراز قيادة منتخبة من نصف الشعب، وتحت حراب الاحتلال؟! هذا الإهمال أو التجاهل أو عدم الاهتمام يدل على أن الاحتلال نجح في غسل أدمغة بعض القيادات، ووضع خططه أمام هذه القيادات، وأصبح الخيار أمامها إما الاحتلال أو الاحتلال، وكأن خيار الشعب الفلسطيني في انتخاباتٍ لمجلس وطني شامل وعام أصبح مجمّداً، أو هكذا أراد له الاحتلال، ووافقت عليه جماعة أوسلو. الواجب الأوفى بالمصالح العليا لمجموع الشعب الفلسطيني هو في إعادة الحياة لمنظمة التحرير، باعتبار أنها الشخصية الدولية المعترف بها ممثلا شرعيا للكل الفلسطيني، وبغض النظر عن أماكن وجوده، وليس في المنافسة في انتخاباتٍ وهميةٍ لا تحمل إلا بذور الانقسام وتعميقه.

مقالات ذات صلة