السقف المحدود لثورة لبنان!
سهيل كيوان

تحصل انتفاضات شعبية، هذه الأيام، في هونغ كونغ وتشيلي وفي كتالونيا، ولا أحد يدعي أنها مؤامرات خارجية؛ فقط في البلدان العربية تتهم الثورات والانتفاضات، كلها بلا استثناءات، بأن يدًا خارجية تحرّكها، وهذه إلى جانب أنها كذبة لتحليل القمع وإرهاب السلطة، فهي إهانة كبيرة للشعوب العربية، لأن هذا يجعلها أحجار شطرنج يحركها من يشاء ومتى يشاء لمصالحه وأهوائه.

وصلت الانتفاضة إلى لبنان، وهذه مفاجأة بالنسبة لمن يعيشون خارجه، إذ أنهم لا يدركون مدى المعاناة التي وصلها الناس. كذلك، ظن الجميع، وبمن فيهم رجال السلطة اللبنانية، أن القبضة الأمنية الراسخة قد تردع الناس من مجرد التفكير بتغيير الوضع القائم، خصوصًا وأن هذه الوضع مدعوم من قوى عسكرية لا يستهان بها، وعلى رأسها حزب الله.

قد تختلف الثورات العربية في التفاصيل، ولكنها في جوهرها واحدة، إنها ثورات وانتفاضات على الفساد وسوء استخدام السلطة، والفقر وغياب العدالة وتفاقم الرشوة حتى فساد القضاء، وضد استئثار الشريحة المتنفذة ومقرّبيها بمصادر المال مثل البنوك وشركات الاتصالات والمواصلات والاستيراد والتصدير، مثل النفط الذي تستأثر به شركات خاصة من مقربي السلطة، لتربح مئات الملايين من الدولارات سنويًا، فيما بالكاد يجد المواطن قوت يومه.

النظام في لبنان ليس دكتاتوريًا بالمعنى التقليدي كما في سورية، وكما كان في ليبيا واليمن، بل توجد حرية صحافة وتعبير وانتقاد للسلطة (رغم اغتيال صحافيين مثل جبران تويني بيد المخابرات السورية)، إلا أن نظام التقسيم الطائفي أتاح فسادًا من نوع آخر، فقد بات رؤوس الطوائف يرون بأن وصولهم إلى سدة الحكم هي فرصة لاستغلال مواقع القرار والقرب من المال، وللفوز بأكبر ما يمكن من الثروة دون السماح لغيرهم من وصولها، كل هذا على حساب إفقار الشعب.

يدعو المتظاهرون في لبنان إلى إسقاط النظام، ولكن مركّبات الحكومة وعلى رأسها حزب الله يدعون لإجراءات تمتصّ غضب الشارع دون إسقاط التحالفات الحالية، والسؤال هو كيف ممكن إجراء إصلاحات من خلال البنية القائمة نفسها من عصابات باتت تخنق البلد، أي كيف يمكن الإصلاح مع الفاسدين والمفسدين أنفسهم؟

النكتة أن جميع أطراف السلطة يعترفون بأن الشعب صادق في غضبه ويؤيدون مطالبه، وبهذا يظنون أنهم يمتصّون الغضب وحرف الانتفاضة من ثورة إلى حراك احتجاجي على ضرائب وغلاء بعض السلع الاستهلاكية.

الانتفاضة اللبنانية أعمق بكثير من مجرد احتجاج على أسعار وضرائب؛ المتظاهرون يستحضرون هتافات الشعوب العربية الأخرى التي سبقت لبنان في شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، وشعارات الأخوة بين الطوائف، وشعارات الديمقراطية بمعانيها الأعمق والأشمل من توزيع السلطات على أسس طائفية، وطرح شعار “كِلّن يعني كِلّن”، الذي يقصد القول منه لا أحد من أقطاب الحكم، بلا استثناء، بريء من إفقار الشعب واختطاف مستقبل شبابه، لا أحد يمكنه ادعاء النقاء، فالكل ملوث، ربما بدرجات متفاوتة ولكن الجميع مسؤول.

هناك شركات هي مافيات من مقربي السلطة مسيطرة على مفاتيح الاقتصاد كله، تفرض رسومها وضرائبها على كل سلعة كما يحلو لها، معتمدة على تحالفات المصالح السياسية والاقتصادية بين أحزاب السلطة، وهي مسؤولة أساسية عن الفساد، وإلى ما وصله لبنان من تردٍ في حالته الاقتصادية، وديونه التي تبلغ 86 مليار دولار.

لا يختلف شعب لبنان عن شعب تونس أو شعب سورية أو شعب مصر والجزائر والسودان، فهو يتوق إلى العيش بكرامة وفي ظل نظام من الشفافية والعدالة، التي تحمي المواطن من الاستغلال البشع.

معضلة النظام في مواجهة الشعب، أنه يتظاهر في الرقص والدبك ولن يستطيعوا اتهامه بـ”الداعشية” أو “الإخوانية” أو “الحمساوية”، ولا الادعاء بأنها فبركات في استوديوهات “الجزيرة”، كما زعموا في كل الثورات السابقة، فالعالم كله يرى ويسمع.

الأفق قاتم جدًا، فهذا ليس رئيسًا واحدًا مثل تونس ممكن إزالته وإجراء انتخابات نزيهة. هنا يختلف الوضع، لأن أي تغيير عميق وحقيقي يعني تغيير الدستور الطائفي كله، بما في ذلك اتفاق الطائف، وهذه معضلة كبيرة، ترفضها جميع الأحزاب المشكّلة للسلطة.

التظاهرات مستمرة، وحتى الآن تجنبت السلطات مواجهة الجمهور خشية التورّط في قمعه، فما جرى في سورية من شيطنة للثورة لا يمكن تكراره في لبنان، والغرب لن يتقبله. إلا أن الحل لن يكون جذريًا في الأفق القريب، وسقف الثورة محدود لعوامل وأسباب كثيرة، منها حرص الأغلبية على عدم العودة إلى سنوات الألم والحرب الأهلية، والأرجح أن تقوم الحكومة الحالية بإصلاحات اقتصادية وقضائية سريعة، وإعادة بعض الأموال المنهوبة إلى الشعب، ومنحه الشعور النسبي بالأمن الغذائي والحياتي اليومي، على الأقل لـ”تهدئة الخواطر”، وإعادة المتظاهرين من الشوارع إلى بيوتهم.

مقالات ذات صلة