فلسطين بين الحرب والسلام وغيرنيكا وإني أتهم؟
واسيني الأعرج

كيف نكتب فلسطين اليوم في ظل اليأس الكلي من كل ما يحيط بنا؟ يبدو العنوان مبعثراً كثيراً ويحتاج إلى تجميع يبدو مستحيلاً. كيف نجمع بين الأجزاء المكسورة في الجسد الواحد؟ وهل يمكننا فعل ذلك بسهولة، أي ما هو الخيط الذي سيربط بين الحرب والسلام ويظهر المجتمع الروسي في وقت كان الزحف النابليوني على أبواب موسكو، وبين غيرنيكا التي جسدت حرباً أهلية أكلت خيرة الفنانين والشعراء، وأخيراً بين زولا وهو يقف ضد معاداة السامية التي تحولت إلى هاجس سياسي يومي ظالم يحمّل عينة من الناس مسؤولية الهزائم والخراب؟
عندما نفكر في الكتابة عن فلسطين يستيقظ هذا كله وغيره فينا دفعة واحدة وبقوة، ونحتاج إلى حنكة أدبية وفنية لاستيعاب معطى كبير يتقاسمه التاريخ والحروب والفن والرغبة في التخطي باتجاه حالة أفضل، تبعث على قليل من الأمل. فلسطين التاريخ يكتبها المؤرخ، بينما فلسطين الفن تنتظر دوماً فرسانها الذين لا يعيدون إنتاج التاريخ والوقائع فقط لدرجة أن يصبح مجرد عمل تجميعي لحفظ الذاكرة من التلف، هذا يقوم به الأرشيفي التقني أحسن من الكاتب. فلسطين تحتاج إلى شيء آخر أعمق وأكبر وأجدر، إلى نص يتخطى الحدود المتعارف عليها.
هل يستطيع الفن استيعاب فلسطين في كلياتها، المتناقضة أحياناً، ليجعل منها أيقونة تتخطى الزمن والمكان؟ لقد كتب كثيرون عن فلسطين روايات مهمة، بل عظيمة أحياناً، وحققوا منجزاً فنياً استثنائياً، لكن هناك مقاومة داخلية في النصوص لا تجعلها تتخطى دائرة معطى الحاضر، هل لأن استيعابنا لفلسطين مقتصر على اللحظة التاريخية التي ينجز فيها النص، فيقول أفكاره وينسحب؟ أم لأن وعي فلسطين فنيا لم يتم بعد؟ حيث تنتقل هذه الأدوات إلى مستوى آخر يتخطى المقولات والأفكار والحروب، ويصنع وجداناً أدبياً وفنياً عميقاً يبقى في دواخل الناس.
فلسطين توفر اليوم كل الإمكانات لذلك، فهي حالة تراجيدية بكل المعاني. كلما كتبنا عن فلسطين وضعنا بين كماشة بفكين: إما بتكرارها تاريخياً برسم البطولات الكبيرة والهزائم القاسية، وهذا مهم كمادة أدبية لكنه لا يكفي، يحتاج إلى أبعد من ذلك، أو يتجول النص إلى وسيلة لحفظ الأمكنة المندثرة، فيسترجع الكاتب زمناً مضى في مكان ما. لكن الرواية ليست سجلاً للوفيات أو للأمكنة المندثرة على قيمة ذلك فعلياً، ربما احتاجت فلسطين إلى أبعد من ذلك، رسم وجه آخر يتخطى بقوة الموجود والحاضر المترسخ، والبحث في أفق آخر مخالف، أفق الأدب الذي يذهب بعيداً في التاريخ فنشمه في النص، ولكننا لا نشعر أنه هو.
الحروب النابليونية جسدتها الكثير من الكتابات الفرنسية والعالمية، ولكن في النهاية هناك شخص واحد وعظيم استطاع أن يستوعبها ويجعل منها مادته الفنية والأدبية. ليون تولستوي في الحرب والسلام التي نشرها مسلسلة بين سنتي 1865-1869 في مجلة المراسل الروسي في فترة نابليون، هي النسخة المتداولة اليوم التي أعاد تولستوي كتابة نهايتها. غير تولستوي في هذا النص من نظام الرواية كفن، ولم يعد الالتزام بحرفية التاريخ ضرورة. الحرب الأهلية الإسبانية في 1936 أحدثت خراباً لأنها كانت ظالمة، وكانت وراء حرق وتقتيل كبيرين بسبب القصف الجوي في 26 أبريل/نيسان 1937، في تحالف غير مسبوق بين النازية وموسوليني وفرانكو. لكن اليوم، كل من ذكر تلك الحرب القاسية لا يمكنه أن يتخطى غيرنيكا التي أنجزها بابلو بيكاسو، المعروضة بشكل دائم في متحف الملكة رجينا صوفيا الوطني للفنون في مدريد. وهي لوحة تجسد مقاومة الشعب الإسباني الحر، وتقف على مسافة واضحة من الحروب منتصرة للسلام.
الكتابة عن فلسطين اليوم لا تخرج عن هذه الأحاسيس، أي الخروج من الحدثي الطارئ والانتساب إلى الوجدان الإنساني الواسع. لهذا، كل كتابة عن فلسطين يسبقها السؤال الصعب: عن أي فلسطين سأكتب؟ فلسطين التاريخ كما في ثورتها الأولى 1936، التي صادفت بشكل غريب الحرب الأهلية الإسبانية؟ التاريخ كما عرفناه قبل وبعد 1948؟ فلسطين المقاومة التي لم تتوقف أبداً؟ أم فلسطين الأمر الواقع؟ أم فلسطين أخرى، لا هذه ولا تلك، ولكن كلها مجتمعة.
حالات ثلاث تتحكم في تراجيدية الكتابة اليوم عن فلسطين. فلسطين التاريخية تغيرت كثيراً منذ قرار التقسيم الذي صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/ 1947، ورفضه العرب متّكلين على جيش إنقاذ عجز عن إنقاذ نفسه من هزيمة قاسية. لم يعد هذا التاريخ موجوداً بعد أن نهبت إسرائيل فلسطين كلها، حتى ما سمي دولة فلسطين، لم يبق منه الشيء الكثير. دولتان في بلاد واحدة: رام الله وغزة، ومستوطنات على مد البصر تأكل آلاف الهكتارات من الأراضي الفلسطينية الخصبة. فلسطين المقاومة؟ التي بدأت تضمحل منذ القبول باتفاقيات أوسلو. انتهت الانتفاضة الأولى والثانية، والانتفاضة الثالثة أصبحت صعبة بعد المتغيرات على الأرض. ما يحدث في غزة مقاومة، لكنها معزولة ولا سند لها إلا الجسد الفلسطيني. فلسطين الأمر الواقع؟ هي فلسطين اليوم، عرضة لكل عمليات الإفناء داخل اليأس العربي المعمم. مع أية فلسطين يتعامل الكاتب العربي اليوم؟ هل انغلقت سبل التحرر أم أن هذا المثقف لم يعد قادراً على إبداع فلسطين الأخرى؟ كيف يمكنه من داخل هذا الشتات الترابي أن يعيد ترميم وتخييل زمن آخر، أكثر قابلية للحياة. يبدو الأمر سهلاً على مستوى الخطاب العام، لكن على مستوى الفعل الإبداعي، سيختلف الأمر كلياً، إذ على الكاتب تفكيك اليقينيات التي لا تقبل بالهزيمة لتحليلها وإعادة قراءتها، فتحولها إلى انتصارات وهمية، أو تبحث لها عن مشجب تعلق عليه هزيمتها، وكأننا في فرنسا بعد هزيمتها القاسية مع النمسا، في سبعينيات القرن التاسع عشر، حينما ألصقت خراب بنياتها العسكرية الداخلية في ضابط يهودي اسمه دريفوس، في ظل معاداة مستفحلة للسامية. ولولا كاتب عظيم مثل إيميل زولا الذي كاتب الرئيس في رسالة مشهورة حملت عنوان: إني أتهم. أعاد فيها بناء القصة كاملة، وتفكيك الهزيمة وآلياتها التي اكتشف بالدليل أنه لا دخل فيها لدريفوس، لانتهى الضابط اليهودي الشاب طعماً لرصاص الإعدام بتهمة الخيانة العظمى.
تحتاج فلسطين المبدعَة إلى قوة جامعة لكل هذا. غيرنيكا هي نحن وقرانا الفلسطينية التي تتم إبادتها يومياً وهدمها. الحرب والسلام هي نحن أيضاً، أي كيف نجعل من النص ليس فقط وسيلة لقول التاريخ، ولكن لمنح التخييل فرصته ليرتقي بفلسطين خارج الحدثي واليوم. فلسطين هي أيضاً إني أتهم في مواجهتها لظلم تأصل وأصبح كأنه مستحيل إزالته؟ مع أن مآل كل ظلم الزوال. هذه هي فلسطين التي سيقولها النص الأدبي القادم الذي يستوعبها في كليتها، وليس فلسطين المجزأة.

مقالات ذات صلة