ياسرعرفات يغرق في البحر !
بكر أبو بكر

حين الكتابة عن الخالد فينا ياسرعرفات تنفتح الطرقات والمسارات والمسالك أمامك إلى الدرجة التي لا تستطيع معها بفكرك أو قلمك أن تتخير أيّها تسلك.

لا يكون الدرب الواحد متيسّر الدخول إلا حين تكون العدّة مكتملة والهدف واضح ومحدد، ويكون الإقدام فعل العزيمة والايمان، فما بالك عندما تصبح المسارات متعددة، وأنت واثق أنك بأيها سلكت… ستصل؟

من هنا  تأتي الحيرة في الكتابة عن الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي استطاع أن يربط في حزمة واحدة الشوك والورد، ويسلك مختلف الدروب، فينوّع الوسائل في حين أن الهدف أمامه كان –وظلّ- واضحا جليّا رغم المضاء الذي اختاره، وهو المزروع بالآلام والألغام.

تنفتح المسارات أمامك حينما تفكر من أين تكتب في ياسر عرفات، بمعنى أنك تستطيع أن تكتب في كلّها، في كل الدروب وكل الزوايا وكل المسالك التي سلكها أو تشكلت منها شخصيته، فإن نظرت له كجنرال حرب، كما أسماه الراحل هاني الحسن رفيق دربه ومن صناع النجم، تجد فيه من الميّزات ما تقتدي به فتحتفي بالنضال، وإن نظرت له كسياسي عملاني (براغماتي) لن تجد لعملانيته مضارع أيضا.

فما بالك إن كان الدرب الذي تسلكه أو تتلمسه في الكتابة عن ياسر عرفات هو درب قدرته الاتصالية الفائقة تلك الظاهرة والخفية، هو درب علاقته الجماهيرية الرائقة التي لم يستطع أحد من قادة الثورات حتى اليوم –برأيي- أن يصلها.

إن الطاقة الجماهيرية التي تتركب منها شخصية ياسر عرفات قادرة أن تُعبئ البنادق والمدافع فتطلق النار بالاتجاه الذي يشير اليه، وقادرة أن تشحن النفوس بالروح المعنوية اللامتناهية، وقادرة أن تجعل من الأذان المرفوع من منارات المساجد، ومن صدى قرع أجراس الكنائس في القدس وكل فلسطين زغرودة حب، أوايذانا بحرب أو أنشودة فرح ونصر.

ياسر عرفات الذي اختار طريقه منذ الصغر، ورسم المسارات وسلك الدروب، هو ورفيق النضال الثائر والرئيس الكوبي “فيديل كاسترو” كانا يسيران في سياق واحد.

فحين قال مؤلف كتاب “قاموس فكر فيدل كاسترو”، سالومون سوزي، إنه-أي كاسترو- “رسم لنفسه صورة عامة جذابة جدا تشكل جزءا من أسطورة فيدل”، كان هكذا تماما أيضا أمر ياسر عرفات برمزيته وأسطوريته وجماهيريته فبرزت لحية كاسترو وغيفارا وبزّة الاول العسكرية في مقابل كوفية الختيار ولحيته وبزته العسكرية الكاكية…وجماهيريته.

 

ياسر عرفات رجل الفعل والمبادرة، قال فيه أحد  أبرز معاونيه أحمد عبدالرحمان بكتابه الثري: عرفات حياته كما أرادها ص456 أنه: (لايمكن العثور على ياسر عرفات الحقيقي في لغته السياسية والإعلامية، فهذا الجهد الذي يبذله في هذا المجال جزء مكمّل لمعركته على الأرض،”يجب على الكلمة أن تغطي عُري البندقية لا أن تعرضها للخطر”.أن ياسر عرفات الحقيقي هو ما فعله وليس ما قاله….ياسر عرفات الحقيقي هو حركة فعل في الواقع…أما بياناته وتصريحاته فلها وظائف شتى،تارة يريدها لتضليل أعدائه،وتارة يريدها لكسب المزيد من الأصدقاء، وتارة لإخفاء مسؤوليته المباشرة عن هذا الفعل أوذاك)

رجل الفعل، الرجل العسكري والفاعل السياسي، وذو العقل الأمني الحذِر، متعدّد المواهب ما بين صفة الشخص الصلب حيث وجب، والمرِن الواقعي حيث يناور ويداور، هو ذاته الشخص الذي يبكي بحرارة لأصغر الأمور المتعلقة بشعبه وآلامه اليومية، وحين يضحك لا يحبس الضحكة عن الآخرين، فتنتشي.

عندما ترى الختيار معتزّا بشبعه في مواجهة خصومه تَمُور فخرا، حتى وأنت تلمح الغرور في عينيه البراقتين، وفي وقفته كالطود الشامخ، بل وفي وطريقة تعاليه على أعدائه أوأشياعهم، فنحن شعب الجبابرة، ونحن أصحاب فلسطين وحراس الأرض منذ كانت وكنا معها مقترنين.

لن أتحدث عن معلّمنا وقائدنا عرفات هنا إلا في سياق نظرته لذاته بين الجماهير، فهو لا يعيش خارج الماء أبدا، وما كان يوما كائنا برمائيا ، بل كان وأصرّ حتى آخر يوم في حياته أن يكون كائنا مائيا، حوتا ، أو سمكة لا تجد نفسها إلا في بحر الجماهير غريقا.

ياسر عرفات الجماهيري، ربط القضية بالأرض والشعب وبه، فلم يرى هذا الثالوث الا من عينيه الضيقتين شكلا الواسعتين أفقا، وعبر خطواته الطويلة وبردائة الأخضر الزاهي، ومع قلمه الأحمر السيّال وعباءاته السياسية المتبدّلة، وأيضا فيما تراه بكل تسجيلاته المرئية من قبل.

لم ينفكّ عرفات الجماهيري يوزع فيوضَ روحه وإحسان اتصالاته مع الناس، ربما بإسراف على عموم الجمهور ما بين قُبلات تُطبع على رأس الصبية الفلسطينية الزاهرة، وقبلات الوجنتين للأخوة مع الأحضان، وما بين قبلات اليدين والرأس لأسر الشهداء، ولأيدي الجرحى.

كُنتَ ترى شعبيته الطاغية في قدرته الفائقة على استثارة الحس الوطني والقومي، والحس الثوري في الجماهير بكلمات نراها عفوية. فهو بكلمات بسيطة وقليلة ومتكرّرة، ولكنها واضحه ومحددة ومهدّفة، كان قادرا على إشعال نار الغضب المجنّح، وتفجير ثورة، وبكلمات أخرى بنفس المواصفات الفنية كان قادرا على إطفاء شحنات الغضب وتهدئة الخواطر.

الرجل الناري ذاته، هو رجل الماء، يعلم جيدا كيف يوفّق بين ما لا يتوافق نظريا وما يشكل التناقض بعينه خاصة حين يتعامل مع الجماهير، كلٌّ على قدر فهمه وعلمه وموقعه، ومصداقا لما قاله علي بن أبي طالب “حدثوا الناس بما يعرفون”، أو لما قاله الإمام الغزالي في إحيائه: ” أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى إليه مالا يبلغه عقله فينفر”.

وإن كان لأبي عمار المُقرِّب وليس المُنفِّر من خطاب عام، فإنه كان ينحو نحو البساطة والمباشرة والسهولة بما يفهمه كل الناس كبيرهم وصغيرهم عالمهم وجاهلهم، رابطا خطابه الجماهيري هذا بالتحفيز وشحنات الكرامة، والإنشداد للتاريخ المفعم بالحقائق والآيات والأحاديث والأشعار والاقتباسات التي تجر من خلفها جبالا من الكتل الثورية المتأججة، وكيف لا وعباراته الخالدة وهو الفدائي الطريد  للاحتلال الصهيوني العنصري الجاثم على صدر فلسطين ما زالت تدوي في سماء الوطن وفي رؤوسنا حتى الآن: “على القدس رايحين شهداء بالملايين”، و”شبل أو زهرة سترفع علم فلسطين فوق مساجد وكنائس وأسوار القدس”، و”يريدونني قتيلاً أو أسيرا أو طريدا وأنا اقول شهيدا شهيدا شهيدا”.

هذه العبارات الأخيرة انحفرت في ذاكرة التاريخ كما الخطّ على الصخر، ورسخت في ذاكرة الأجيال، كما انحفرت مآثره وانجازاته الوطنية والعالمية، حين طار بالقضية والثورة فحلّق في فضاء الاعتراف بها بعيدا عن غياهب الإطفاء والنسيان المقصود التي أرادها الأعداء، فهو أبو الكيانية والوطنية الفلسطينية، والحضارية “العربية الاسلامية”، والديمقراطية، والنضالية العالمية والعروبية، وهكذا انتشل الأرض والقضية والشعب من ظلمة النفق المراد لنا الى النور القادم، والذي ما يئس أبوعمار من رؤيته وإن من عيون قادم الأجيال، وما كان  لمواقفه وبطولاته ولعباراته الأثيرة والمحفوظة في كل المواقع وعلى اتساع رقعة العالم الا أن تعبّرعن ذلك.

كلما ضاقت به وبنا الدنيا وحاصرته العواصف كان يُغرق ذاته في بحر جماهيره، كما فعل في بيروت أسطورة الصمود والتصدي، فخرج كالمارد بعد أن اشتم روائح الجنة، وفي طرابلس حين آذانا الأخوة وأدموا قلوبنا بعنفهم، وفي العراق وعند كل المواجهات، وحين شمخ عاليا في مربض الليث بالمقاطعة في رام الله متحديا العدوان والمرض كشجرة الزيتون، فيعود-ونعود- في كل المواقع منتعشًا، وينقلب المزاج الشعبي في عز الأزمات والمِحن من أسود قاتم أو مغبرّ لا يرى في آخر النفق الا الطريق المسدود إلى أبيض عابق بالفرح والأمل كما هو نفق عرفات الذي في آخره ينير وجه أبوعمار بكوفيته المزينة بخريطة فلسطين.

في الكرامة بالأردن، وحين الانطلاقة الشامخة للثورة الفلسطينية الحديثة امتدادا لظاهر العمر الزيداني وعزالدين القسام والحسيني والسعدي وعبدالرحيم محمود وكل الأبطال، وفي محطات كبرى شكلت منعطفات في حياته وفي حياة القضية والثورة سواء في بيروت أو تونس أو فلسطين أو في الامم المتحدة أوفي غيرها، كان الرجل الغارق حتى أذنيه في القضية، وفي هموم شعبه يقفز عن الحواجز والعوائق والمطبات بخفة الغزال وثِقة الفهد، ويدوّن أسطرا جديدة في التاريخ، ولم يملّ أن يغني للثورة والنضال “طل سلاحي” و”أنا يا أخي” و”أنا قد كسرت القيد”،  فأعدّ عدته للحرب حيث البندقية لم تفارق كتفه وإن استبدلها أحيانا بالمسدس، وكان للسلام رفيقا وقاصدا حين رفع للعالم عاليًا غصن الزيتون الذي أسقطوه عمدا.

ياسرعرفات الذي يعيش في بحر القضية اللجيّ، وبحر الجماهير كان يرى في الرعاية لمصالح الجماهير واحتياحاتهم اليومية واجبًا ملقى على عاتقه شخصيا، إذ كان يأبى الا أن ترافقه هذه الهموم والاحتياجات الصغيرة عند البعض، الكبيرة عند أصحابها، وعنده في حِلّه وترحاله، عند الصحو وقبل الإغفاءات القصيرة في سريره الحديدي القديم، أو بالطائرة التي تنقله مثقلا بالقضية في فضاءات العالم.

ياسر عرفات الجماهيري الحاذق والآسر لمحدّثه، رغم مفرداته العاميّة سواء باللهجة المصرية المحبّبة أو الفلسطينية، والغارق كثيرا في قضايا الأمة الكبرى، هو ياسر عرفات الإنسان الذي أصاب حين حمل الطفلة على ظهره بحنان الأب أو أطعمها في احتفالية بسيطة في مؤسسة أسر الشهداء، وأصاب حين غضب بشدة محقّا ثم تسامح مع معارضيه، غير عابئ أبدا بحقّه الشخصي.

ياسر عرفات الانسان البطل، والجماهيري كان يصعد في سلم عليائه ليناطح السحابات، فتتكاثف لتُمطر شآبيب رحمة وتفهّم ومحبة لم تنقطع بين ياسر عرفات والقدس وفلسطين والأمة، وبينه وبين أهله، نحن بحره الزاخر.

بكر أبوبكر

كاتب وأديب عربي فلسطيني

في الفكر والدراسات العربية والاسلامية

مقالات ذات صلة